أبو الصلاح الحلبي
146
تقريب المعارف
والإيثار . وهم مع ذلك غير منكرين لحصول الصلاح بجنس الرئاسة ، ولهذا لا توجد فرقة منهم بغير رئيس مقدم يرجعون إلى سياسته ، كالخوارج وغيرهم من فرق الضلال الذاهبين إلى قبح كل رئاسة تخالف ما هم عليه من النحلة ، كاعتقاد الكفار والمنافقين ذلك في رئاسة الأنبياء والأئمة عليهم السلام . وإنما كرهوا رئاستهم واعتقدوا حصول الفساد بها والصلاح بعدمها ، لاعتقادهم حصول المفسدة ( 1 ) بها لكونها قبيحة ، ولم ينكر أحد منهم وجوب الرئاسة جملة ، ولهذا لم نر فرقة منهم إلا ولها رئيس مطاع . وكمعتقدي حصول صلاحهم برئاسة ما وعدمه بوجود أخرى ، فهم يكرهون هذه ويؤثرون تلك ، ككراهية ( 2 ) قريش ومن وافقها في الرأي رئاسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، لاعتقادهم فوت الأماني بثبوتها ( 3 ) ، وإيثارهم رئاسة غيره ، لظنهم بلوغ الأغراض الدنيوية بها ، فهؤلاء أيضا لم ينكروا عموم الصلاح بالرئاسة في الجملة ، وإنما كرهوا رئاسته لصارف عنها ، وآثروا آخر لداع إليها . وكمن حسد بعض الرؤساء وشنأه من العقلاء إنما يكره رئاسته حسدا وبغضا ، ولا يكره رئاسة من لا شنآن بينه وبينه ، كقريش ومن وافقها على حسد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبغضه في الفضل على جميعهم وتقدمه في الإسلام على سائرهم وعظيم نكايته فيهم ، إنما كرهوا رئاسته لذلك ، ولم يكرهوا رئاسة من لا داعي لهم إلى حسده وعداوته . وكمن يرى الرئاسة لأنفسهم ويرشحهم لها ، إنما يكرهون كل رئاسة
--> ( 1 ) في النسخة : " المسدة " . ( 2 ) في النسخة : " الإكراهية " . ( 3 ) في النسخة : " بنبوتها " .