أبو الصلاح الحلبي
116
تقريب المعارف
وقلنا : إن هذا النفع ثواب . لأن ما عداه من ضروب المنافع يحسن منه تعالى الابتداء بها ، فلا يجوز أن يكلف المشاق لما يحسن الابتداء به ، لأن ذلك عبث لا يجوز عليه سبحانه . وقلنا : إن الثواب مما يقبح الابتداء به . لكونه نفعا واقعا على جهة الاعظام مقترنا بالمدح والتبجيل ، ومعلوم ضرورة قبح الابتداء بالمدح والتعظيم ، وإنما يحسن مستحقا على الأمور الشاقة الواقعة عن إيثار ، ولذلك اختصت منافع من ليس بعاقل من الأحياء بالتفضل والعوض دونه ، لتعذر استحقاقهم له . ووجود الجماد لنفع الحي ظاهر في أكثره ، وما لا يعلم ذلك من حاله تفصيلا فمعلوم على الجملة ، من حيث كان خلاف ذلك يقتضي كون موجده سبحانه عابثا ، وذلك فاسد . ولا يقدح في حسن تكليف العاقل للوجه الذي بيناه تكليف من علم من حاله أنه يكفر أو يعصي ، لأن الوجه الذي حسن تكليف من علم من حاله أنه يؤمن قائم فيه ، وهو التعريض للثواب ، وكونه سبحانه عالما من حاله أنه لا ينتفع بما عرض له لا ينقض الغرض المجري بالتكليف إليه ، لأن المعرض للنفع الممكن من الوصول إليه محسن إلى المعرض وإن علم أو ظن أنه لا ينتفع ، بل يستضر بسوء اختياره . يوضح ذلك : حسن عرض الطعام على الجائع ، وإدلاء الحبل إلى الغريق لينجو وإن ظن أنهما لا يفعلان . والقديم سبحانه وإن علم في من عرضه بتكليفه لنفع عظيم أنه لا يقبل ما يصل به إليه ، بل بسوء ( 1 ) النظر لنفسه ، فيختار هلاكه على بصيرة من أمره
--> ( 1 ) في النسخة : " بشر النظر " .