الشريف الجرجاني
73
الحاشية على الكشاف
فيجوز حينئذ ثبوت أحدهما وليس ههنا نفى ليصح دخول لا ، فالسؤال عن وجه الصحة كما يدل عليه جوابه لا عن الفائدة كما توهمه اللام كأنه قال : لأي سبب ومصحح دخلت لا ؟ والجواب أن كلمة غير تتضمن معنى النفي فجاز وقوع لافى سياقها . فإن قلت : كلمة " لا " في قوله لا المغضوب عليهم ليست عاطفة إذا لم يرد اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم لا صراط المغضوب عليهم ، بل أريد وصف المنعم عليهم بمغايرة المغضوب عليهم فلا وجه لها سوى أن تكون بمعنى غير ، فلا فائدة حينئذ لتبديل غير بها في تصوير معنى النفي وتحقيقه . قلت : لفظة " لا " في أصلها موضوعة للنفي ، واشتهرت بهذا أعني كأنها علم له فهي وإن جعلت بمعنى غير أظهر دلالة على النفي وأرسخ قدما فيه ( قوله وتقول أنا زيدا غير ضارب ) استدلال على أن غيرا في حكم لا حيث جوز فيه تقديم معمول ما أضيف إليه بناء على أنه منزلة لا فكأنه لا إضافة ههنا ، ولم يجوز ذلك في مثل لأن الإضافة فيه ليست في حكم العدم ، وإذا منعت من تقديم المضاف إليه على المضاف كانت لتقديم معموله على المضاف أمنع ، فإن المعمول لا يقع إلا حيث يصح ن يقع عامله فيه . وتلخيص الكلام أن غيرا وضعت للمغايرة وهى مستلزمة للنفي ، فتارة يراد بها إثبات المغايرة كما في الآية فتكون إثباتا في حكم النفي لتضمنه إياه فيجوز تأكيده بلا ، وأخرى يراد بها النفي كقولك أنا غير ضارب زيدا : أي لست ضاربا له لا أنه مغاير لشخص ضارب له فيكون نفيا صريحا ، والإضافة بمنزلة العدم في المعنى ، فيجوز تقديم المعمول أيضا ولذلك قال في الأول : كأنه قيل لا المغضوب عليهم ، وفى الثاني لأنه بمنزلة قولك أنا زيدا لا ضارب . فإن قيل : صرح السخاوي بأن " لا " في مثل قولك أنا لا ضارب زيدا اسم بمعنى غير ، إلا أنه لما كان على صورة الحرف أجرى إعرابه على ما بعده كما في لا تقول جئت بلا شئ ورأيت لا راكبا ، قال الله تعالى - لافارض ولا بكر - ولا بارد ولا كريم - فوجب أن يمتنع تقديم المعمول فيه أيضا أجيب أولا بمنع الاسمية ، وثانيا بجواز التقديم نظرا إلى صورة الحرفية المقتضية لانتفاء الإضافة المانعة من التقديم . لا يقال : هناك مانع آخر وهو أن ما في حيز النفي يمتنع أن يتقدم عليه . لأنا نقول : إنما يمتنع ذلك إذا كان النفي بما وإن فإنهما لما دخلا على الاسم والفعل أشبها الاستفهام فلم يجز تقديم ما في حيزهما عليهما ، بخلاف لم ولن فإنهما اختصا بالفعل وعملا فيه وصارا كالجزء منه ، فجاز أن يعمل ما بعدهما فيما قبلهما . وأما كلمة لا فإنما جاز التقديم معها وإن دخلت على القبيلين لأنها حرف يتصرف فيها حيث عمل ما قبلها فيما بعدها كقولك جئت بلا شئ وأريد أن لا تخرج ، فجاز أيضا إعمال ما بعدها فيما قبلها بخلاف ما إذا لا يتخطاها العالم أصلا ، والكوفيون جوزوا تقديم ما في حيزها عليها قياسا على أخواتها ( قوله لغة من جد في الهرب ) حيث هرب من التقاء الساكنين على حده مع كونه مغتفرا ، ومن لغته النقر في الوقت على النقر ( قوله آمين صوت ) أي لفظ إنما اختاره إما لقرب أسماء الأفعال من الأصوات ولذلك جمعهما في المفصل في فصل واحد ، وإما لأن هم يعبرون عن أسماء لا يعرف لها تصرف