الشريف الجرجاني
4
الحاشية على الكشاف
أن الإنزال وإن كان مطلقا لكنه إذا قوبل بالتنزيل الدال هاهنا على التدريج فيما بين أجزاء القرآن ، إما لدلالته على التكثير ، وإما لما قيد به من التنجيم تبادر منه الإنزال دفعة . فإن قلت : الموصوف بالحركة حقيقة هو المتحيز بالذات من الجواهر الأفراد وما يتركب منها دون الأعراض ، فإنه يمتنع فيها ذلك سواء كانت أجزاؤها مجتمعة كاللون أن سيالة كالصوت الذي هو جنس الكلام ، فكيف يتصور إنزال القرآن وتنزيله مع أنهما تحريك من علو إلى أسفل . قلت : ذلك مبنى على متعارف أهل اللغة ، حيث يصفون الكلام بما يوصف به مبلغه فيقولون : نزل إلينا من القصر حكم الأمير ، وكلامه على سبيل الإسناد المجازى ، وصاحب الكشف جعل وصفه بالتنزيل من هذا القبيل ، وحمل الإنزال على إظهاره في اللوح المحفوظ ، زاعما أن للقرآن حركة معنوية وهى الظهور بعد الكمون لازمانا بل ذاتا ، وأن تلك الحركة من الأعلى رتبة وشرفا ، لأن علو مرتبة واجب الوجود تعالى والقلم الأعلى على اللوح لا يخفى ، وتفسيره كلامه على ما نقل عنه : أن القرآن كان كامنا في العلم الإلهي ثم أضهره الله تعالى بواسطة القلم الذي هو العقل الأول في اللوح المحفوظ الذي هو نفس الكل ، وهذا الظهور ليس بزماني لأن الزمان مقدار حركة الفلك الأعظم وهو متأخر عما ذكر بمراتب . ويرد عليه أنه مبنى على قواعد الفلسفة ، وأن كونه في علم الله لابد أن يكون أزليا ، فإذا لم يتأخر الظهور في اللوح عن الكمون زمانا بل ذاتا كان أزليا ، إذ لو كان حادثا لكان متأخرا زمانا اتفاقا ، فيلزم قدم اللوح والقلم وذلك باطل قطعا . والقرآن في اللغة مصدر بمعنى الجمع ، يقال قرأت الشئ قرآنا : أي جمعته وبمعنى القراءة يقال : قرأت الكتاب قراءة وقرآنا ، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول صلى الله عليه وآله ، المنقول عنه تواترا فيما بين الدفتين وهو المراد ههنا ، وقد يطلق على القدر المشترك بينه وبين بعض أجزائه الذي له نوع اختصاص به ، وما يقال من أن إثبات القرآن لما كان بالشرع وقد دل الشرع على اتصافه بصفات توجب حدوثه ، وكان مقصود المصنف تفسير ذلك الحادث ، صدر كتابه ببعض تلك الصفات مراعاة لبراعة الاستهلال ودلالة على ما هو أشهر مقاصد المعتزلة في علم الكلام ، أعني مسألة حدوث القرآن فليس بشئ . أما أولا فلأن القرآن عند المصنف هو هذه العبارات المنظومة ، وهى معجزة اتفاقا ، ومن شرط المعجزة أن تكون صادرة من الله تعالى ، لأنها تصديق فعلى منه يجرى مجرى التصديق القولي كما بين في موضعه ، فهذه المعجزة مالم تعلم أنها من الله تعالى تصديقا لمدعى الرسالة لم تثبت النبوة التي يتفرع عليها الشرع فكيف يجوز إثباتها به . وتفصيله أن وجود العبارات معلوم بحسب السمع وإعجازها ، إما بالذوق السليقي أو المكتسب ، وإما بالاستدلال كما ستعرفه ، وإذا علم إعجازها علم أنها ليست بكلام البشر ، وأنها كلام خالق القوى والقدر كما نص عليه العلامة فيما بعد ، فتكون هي معجزة من عند الله دالة على صدق مدعى النبوة ، فالعلم بثبوت الشرع يتوقف على العلم بثوبتها وإعجازها وكونها من الله ، فلا يصح إثبات شئ من ذلك بالشرع ، لا يقال نحن نثبت الشرع بمعجزة أخرى ثم نثبت به القرآن أو نثبته ببعض القرآن ثم نثبت به البعض الآخر . لأنا نقول : الأول باطل محض ، لأنه بناء للشئ على ما هو دونه ، فإن القرآن أبهر المعجزات وأظهر الدلائل ، والثاني تحكم بحت ، والتشبث بأمثال ذلك كتمسك الغريق بما لا يجديه نفعا ، إذ لا يشتبه على أحد أن المعجزة لأن نثبت بها الشرع لا لأن تثبت بالشرع ، نعم إثبات القرآن بمعنى الكلام