الشريف الجرجاني

20

الحاشية على الكشاف

تقدير النفي فيما بعد فضلا . ولبعضهم توجيه ثالث مبنى على اعتبار ورود النفي على الأدنى بعد توسط فضلا بينه وبين الأعلى ، كأنه قيل : يعطى الدرهم فضلا عن الدينار : أي فضل إعطاء الدرهم عن إعطاء الدينار على معنى : ذهب إعطاء الدينار وبقى من جنسه بقية هي إعطاء الدرهم . ثم أورد النفي على البقية ، وإذا انتفت بقية الشئ كان ما عداها أقدم منها في الانتفاء . ويرجع حاصل المعنى إلى أن إعطاء الدينار انتفى أولا ثم تبعه في الانتفاء إعطاء الدرهم وهكذا بلوغ الهمم إلى أدنى العدد بقية من جنس الترقي ، فإذا تقاصرت عن البلوغ كان تقاصرها عن الترقي مقدما عليه . وناصب فضلا محذوف وجوبا لجريه مجرى تتمة الأول بمنزلة لا سيما ، ولا محل لذلك المحذوف من الإعراب وإن زعم بعضهم أنه حال ، ولا يلتبس عليك أن فاعل ذلك الفعل المحذوف هو الأدنى على الوجه الأخير ، ونفيه على الوجهين الأولين ( إلى الكلام المؤسس ) أي إلى إدراكه بتحصيل عدده ، ويريد به كلامه في الكشف عن حقائق التنزيل لأنه بصدد إبداء عذر الاستعفاء عن إملائه ، وأيضا قوله ( وطائفة من الكلام ) يرشد إليه ، فمن قال : المراد به القرآن فقدسها ( في الفواتح ) أي الحروف المقطعة في أوائل السور . وقيل أراد الفاتحة وصيغة الجمع تعظيم لها وهو بعيد جدا ، والأولى أن يراد فاتحة الكتاب مع فواتح السور ( وكان ) أي المملى ( حاولت به ) قصدت بذلك المبسوط ( منارا ) علما ( ينتحونه ) يقصدونه و ( يحتذونه ) يقتدون به ويقيسون عليه ( صمم العزم ) أي خلص عن التردد وصار ماضيا لا فتور فيه . يقال صمم السيف : إذا مضى في العظم وقطعه ، وصمم فلان على أمره : أي مضى على رأيه فيه ( وجدت ) جواب لما ( في مجتازى ) إما مصدر فيتعلق به الجار : أي في اجتيازي بكل بلد ، وإما مكان فيتعلق الجار بوجدت ( والمسكة ) مقدار ما يتمسك به من عقل أو علم أو قوة ، والضمير في أهلها للبلد بتأويل البلدة ، ولقد تفنن بإراءة معنى واحد في صور مختلفة ، فوحد الضمير مذكرا في قوله فيه نظرا إلى لفظ من ، وجمعه في ( قليل ما هم ) نظرا إلى معناه ، وأفراد قليل مع أنه خبر لقوله ( هم ) قدم عليه اهتماما به بناء على أنه صفة لمقدر لفظه مفرد ومعناه جمع مثل فوج أو حزب . وقال ( عطشى الأكباد ) لأنهم جماعة واستعمل جمع السلامة والتكسير ( التطلع ) التشوف ( والإيناس ) الإبصار ( العطف ) الجانب وهز العطف كناية عن السرور ، لأن الفرحان يتحرك جانباه نشاطا ، و ( من ) للتبعيض ، ومن ( عطفى ) مفعول هز : أي حصل في بعض الارتياح لأن تمامه كان باستدعاء الشريف . وقد يقال هز العطف كناية عن إزالة الغفلة ، فإن الغافل ينبه بتحريك جانبه والمقام ناب عنه ( إذا ) للمفاجأة : أي فاجأت زمان أنا ملتبس ( بالشعبة ) فإذا مفعول به لفاجأت وهو جواب لما ( السنية ) الرفيعة ( والدوحة ) الشجرة العظيمة ( والأمير ) بدل من الشعبة أو بيان ، وبه خرج الكلام عن الاستعارة إلى التشبيه كقوله تعالى - من الفجر - ( والنكتة ) كل نقطة من بياض في سواد أو عكسه