ابن حمدون
73
التذكرة الحمدونية
البلاء ، وتفاقم اللَّاءواء ، حتى وافانا الداء العياء ، والداهية الصمّاء ، ذو ذقن أثطَّ ، ورأس أشمط ، وفم أدرد ، ولسان يرعد ، وطنبور أتت عليه الدهور ولم يبق منه إلا الخيال ، لو نقر لا نهال بريشة من نسر لقمان ، أو عهد ثمود بن كنعان ، فاندفع يغنّي لأبينا آدم عليه السلام : [ من الوافر ] تغيّرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبرّ قبيح فرأيت أسمج منظر في أقبح مخبر ، لا يشبهها نوبة الحمّى ، ولا تشاكلها طلقة الحبلى ، وقطَّع وقد قطَّع القلوب ، وأمسك وقد أمسكت الأرزاق عن النّزول . قلت : من هذا الشيخ الشادي المتفنّن ؟ قال : وجه البضاعة ، وشيخ الصناعة ، المعروف بغلام البنج . فما كان غير بعيد حتى برز شيخ كوسج ، همّ أعرج ، أخنى عليه الذي أخنى على لبد ، فأقبل متبخترا ، وسلَّم متذمّرا ، وأظهر أنّ فيه بقيّة حسنة يرغب في مثلها ، وأنّه غرض لما يسام من بذلها ، وألفيت صاحب الدار والديوان - أصلحه اللَّه - قد استبشر بحضوره ، وكاد يمنّ علينا بوروده ، واندفع يغنّي : [ من الطويل ] سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم فقلت : ما هذا العجب التالي ؟ والتغريد الثاني ؟ فقال : هل بالشمس من خفاء ؟ ودون البدر من ستر ؟ هذا زعيم الكوارين ، ومتقدّم داسة الطين ، المعروف بقسمون البغداديّ . قلت : ليت قسمي من الدنيا بعده ، وحظَّي من الأيام فقده ، إلا أنّ النّوبة كانت أخفّ وقعا ، وأقرب لذعا . ثم تلاهما أدبر منهما وأنحس وأشأم جدا وأتعس ؛ سقيم يعرف بغلام نسيم ، فجلس وقد فارق النفس ، وأخذ في شيء من رنينه ، وضعف الآلة وتأبينه ، معتذرا من تقبيحه بعد الإحسان ، باذلا من قبحه الغناء بغاية الإمكان . فحملنا أمره ، وبسطنا عذره ، فكان ممّا غنّاه ما وافق سقمه وضناه : [ من الرجز ]