ابن حمدون

40

التذكرة الحمدونية

فأعجبني ، فتسمعه وأصلحه ، فغنّت : [ من الطويل ] عذيري من الإنسان لا إن جفوته صفا لي ولا إن صرت طوع يديه وإني لمشتاق إلى ظلّ صاحب يروق ويصفو إن كدرت عليه فصيّرناه مجلسنا ، وقالت : قد بقي فيه شيء ، فلم أزل أنا وهي حتى أصلحناه ، ثم قالت : أحبّ أن تغنّي أنت أيضا فيه لحنا ، ففعلت . وجعلنا نشرب على اللحنين مليّا ، ثم جاء الحجّاب فكسروا الباب واستخرجوني . فدخلت إلى المأمون ، فأقبلت أرقص من أقصى الإيوان ، وأصفّق وأغنّي الصّوت ، فسمع المأمون وندماؤه ما لم يعرفوه فاستظرفوه ، فقال المأمون : يا علَّويه ، ادن وردّده ، فردّدته عليه سبع مرّات ، فقال لي في آخرها عند قولي : يروق ويصفو إن كدرت عليه يا علَّويه ، خذ الخلافة وأعطني هذه الصاحب . 60 - قال المدائنيّ : اصطحب قوم في سفر ومعهم شيخ عليه أثر النّسك والعبادة ، ومعهم مغنّ ، وكانوا يشتهون أن يغنّيهم ويستحيون من الشيخ إلى أن بلغوا صخيرات [ 1 ] الثّمام ، فقال المغنّي : أيها الشيخ ، إنّ عليّ يمينا أن أنشد شعرا إذا انتهيت إلى هذا الموضع ، وإني أهابك وأستحي منك ، فإن رأيت أن تأذن لي في الإنشاد أو تتقدّم حتى أوفي بيميني ثم ألحق بك فافعل . قال : ما عليّ من إنشادك ! أنشد ما بدا لك ، فاندفع يغنّي : [ من الطويل ] وقالوا صخيرات الثّمام وقدّموا أوائلهم من آخر الليل في الثّقل فجعل الشيخ يبكي أحرّ بكاء وأشجاه ، فقالوا : ما لك يا عمّ تبكي ؟ فقال : لا جزيتم خيرا عنّي ! هذا معكم طول الطريق وأنتم تبخلون عليّ أن أتفرّج به ، ويقطع عني طريقي ، وأتذكَّر أيام شبابي ! فقالوا : لا واللَّه ما كان يمنعنا غير