ابن حمدون
37
التذكرة الحمدونية
سبقك ، ولا يجمل تقديمك على من سواك . فقلت : جعلت فداك ! إلى متى تفرغين ممّن سبقني ؟ قالت : هو ذاك ، الحقّ يسعك ويسعهم . فبينا نحن في ذاك إذ أقبل عبد اللَّه بن جعفر - فإنّه لأوّل يوم رأيته وآخره وكنت صغيرا كيّسا ، وكانت جميلة شديدة الفرح بي - فقامت وقام الناس فلقيته وقبّلت يديه ، وجلس في صدر المجلس على كرسيّ لها ، وتحوّق أصحابه حوله ، وأشارت إلى من عندها بالانصراف فتفرّق الناس ، وغمزتني ألا أبرح فأقمت ، وقالت : يا سيّدي وسيّد آبائي ومواليّ ، كيف نشطت أن تنقل قدميك إلى أمتك ؟ قال : يا جميلة ، قد علمت ما آليت أن لا تغنّي أحدا إلا في منزلك ، وأحببت الاستماع ، وكان ذلك طريقا مادّا فسيحا . قالت : جعلت فداءك ! فأنا أصير إليك وأكفّر ، فقال : لا أكلَّفك ذلك ، وبلغني أنك تغنّين بيتين لامرىء القيس تجيدين الغناء فيهما ، وكان اللَّه عزّ وجلّ أنقذ بهما جماعة من المسلمين من الموت . قالت : يا سيّدي نعم ، فاندفعت فغنّت بعودها ، فما سمعت منها قبل ذلك اليوم ولا بعده إلى أن ماتت مثل ذلك الصوت ، ولا مثل ذلك الغناء ، فسبّح عبد اللَّه بن جعفر والقوم معه ، وهما : [ من الطويل ] ولمّا رأت أنّ الشريعة همّها وأنّ البياض من فرائصها دامي تيمّمت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظلّ عرمضها طامي فلما فرغت جميلة قالت : يا سيّدي أزيدك ؟ قال : حسبي . فقال بعض من كان معه : أي جعلت فداك ! وكيف أنقذ اللَّه بهذين البيتين جماعة من المسلمين ؟ قال : نعم ، أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم ، فضلَّوا الطريق ووقعوا على غيرها ، ومكثوا مليّا لا يقدرون على الماء ، وجعل الرجل منهم يستذري بفيء السمر والطَّلح ، فأيسوا من الحياة ، إذا أقبل رجل على بعير ، فأنشد بعض القوم هذين البيتين ، قال الراكب : من يقول هذا ؟ قال : امرؤ القيس ، قال : واللَّه ما كذب ، هذا ضارج عندكم ، وأشار لهم إليه . فحبوا على الرّكب ، فإذا ماء