ابن حمدون

355

التذكرة الحمدونية

نتذاكر والقاضي أبو بكر بن قريعة حاضر ، فأنشدت قطعة من أراجيز المعاني أو غيرها ، فاستحسنها المهلبي ومن حضر ، وأعجبت القاضي ، فقال : يا أبا إسحاق من قائل هذه ؟ فقلت له عبثا به : أبو العباس درستويه ؛ فقال : أبو العباس صاحب أبي سهل ديرويه ؟ قلت : نعم ؛ قال : وهو بهذه المنزلة من الأدب والعلم ؟ فقلت : وأكثر . وكان هذا الرجل طغامة [ 1 ] ، وقد أوردت حكايات عنه في كتابي الذي ألَّفته ولقّبته ببدائع ما نجم من مختلفي كتّاب العجم ، وهو الذي حضر مجلس أبي الفرج ابن فسانجس وهو جالس للعزاء بأبيه أبي الفضل وقد ورد نعيه من الأهواز ، وعند أبي الفرج رؤساء الدولة يعزّونه ، وقد قلَّد الديوان مكان أبيه ، فلما تمكَّن درستويه في مجلسه تباكى وقال : اللَّهمّ ارحم أبا الفضل ، كان تربي ، وكان وكان ، وعدّد كثيرا من أحواله ، ثم التفت إلى أبي الفرج وقال له : أطال اللَّه بقاء سيّدنا ، دع ما يقول الناس ، ورد كتاب بهذا ؟ فقال أبو الفرج : قد وردت كتب عدّة ؛ فقال : دع هذا كلَّه ، ورد كتابه بخطَّه ؟ ما جلسنا للعزاء بكما ، وأطرق وهو كالمتبسم ، وضحك الحاضرون ، وانقطع العزاء ، ونهض أبو الفرج ولم يعد إلى مجلسه . قال أبو إسحاق ، فقال القاضي : ما علمنا أن أبا العباس بهذه المنزلة من العلم ، فيجب أن نقصده ونأخذ عنه فوائده ، ونستدعي ديوانه ، ونكتب عنه . فقلت قصّر القاضي حيث لم يفعل هذا إلى الآن . قال وانقطع المجلس وبكَّر القاضي وقصد دار درستويه ، واستأذن عليه ، وبدأه بالسلام ومعرفة خبره والاعتذار إليه من تقصيره في حقّه ، وذاك يجيبه بما يقتضيه لفظه ، ثم قال له القاضي : كنّا البارحة بحضرة الوزير ، أطال اللَّه بقاءه ، نسمر ، فأنشد صديق للشيخ أرجوزة من أراجيزه استحسنها الوزير أعزّه اللَّه وجميع من حضر ، فقلت ما يجب على مثلي من أصدقاء الشيخ وأودّائه من يستتبعها بالوصف لها والطرب عليها ، وموفيها الحقّ من استحسانها بذلك المجلس ، وحضرت الآن لآخذ هذه