ابن حمدون
337
التذكرة الحمدونية
فقال : نعم أيّها الأمير ؛ قال : فإني قد بذلت لك به مائة دينار ؛ [ وكان الجمل يساوي عشرة دنانير [ 1 ] ] . فطمع الأعرابي وسرّ وانتفخ ، وبان الطمع في وجهه ، فقال أبان لأشعب : ويلك يا أشعب ، إن خالي هذا من أهلك وأقاربك - يعني في الطمع - فأوسع له فيما عندك ؛ فقال : نعم بأبي أنت وأمي وزيادة ؛ فقال له أبان : يا خال إنما زدتك في الثمن على بصيرة أنّ الجمل يساوي ستّين دينارا ، ولكني بذلت لك مائة لقلَّة النقد عندنا ، وأنا أعطيك به عروضا تساوي مائة . فزاد طمع الأعرابيّ وقال : لقد قبلت ذلك يا أمير المؤمنين . وأسرّ إلى أشعب ، فأخرج شيئا مغطى فقال : أخرج ما جئت به ، فأخرج جرد عمامة خلقة تساوي أربعة دراهم ، فقال : قوّمها يا أشعب . فقال : عمامة الأمير تعرف به ويشهد فيها الأعياد والجمع ويلقى فيها الخلفاء : خمسون دينارا . قال : ضعها بين يديه وقال لابن رميح [ 2 ] أثبت قيمتها ، فكتب ذلك ووضعت العمامة بين يدي الأعرابيّ ، فكاد يدخل بعضه في بعض غيظا ، ولم يقدر على الكلام ، ثم قال : هات قلنسوتي ، فأخرج قلنسوة طويلة خلقة قد علاها الوسخ والوهن والدهن تساوي نصف درهم . فقال : قوّم ، [ فقال : ] قلنسوة الأمير تعلو هامته ويصلَّي فيها الصلوات الخمس ، ويجلس فيها للحكم : ثلاثون دينارا . قال : أثبت ، فأثبت ذلك ، ووضعت القلنسوة بين يدي الأعرابي ، فترّبد وجهه وجحظت عيناه ، وهمّ بالوثوب ثم تماسك وهو مقلقل . ثم قال لأشعب : هات ما عندك فأخرج خفين قد نقبا وتقشّرا وتفتّقا ، فقال : قوّم ، [ فقال : ] خفا الأمير يطَّا بهما الروضة ويعلو بهما منبر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم : أربعون دينارا ، قال : ضعها بين يديه . ثم قال للأعرابي : اضمم إليك متاعك . وقال لبعض الأعوان : امض مع الأعرابي . فأخذ القماش فضرب به وجه القوم لا يألو في شدّة الرمي ، ثم قال : أتدري أصلحك اللَّه من أيّ شيء أموت ؟ قال : لا ، قال : كيف لم أدرك أباك