ابن حمدون
324
التذكرة الحمدونية
همّك . قال ، فقال لي : لهذا البغل قصة : إني رأيت البارحة في النوم كأنّي راكبه حتى وافيت رأس الجسر ، الجانب الشرقي ، فوقفت فإذا أنا بصائح يصيح من الجانب الآخر : [ من الطويل ] كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا أنيس ولم يسمر بمكَّة سامر قال : فضربت بيدي على قربوس السّرج وقلت : بلى نحن كنّا أهلها فأصابنا صروف الليالي والجدود العواثر قال : فانتبهت فلم أشكّ [ أني ] أنا المراد بالمعنى ، فلجأت إلى أخذ الطالع ، وضربت الأمر ظهرا لبطن ، ووقفت على أنه لا بدّ من انقضاء مدّتنا وزوال أمرنا . قال : فما كاد يفرغ من كلامه حتى دخل عليه مسرور ومعه جونة مغطَّاة وفيها رأس جعفر بن يحيى ، وقال له : يقول لك أمير المؤمنين وكيف رأيت نقمة اللَّه عزّ وجلّ في الفاجر ؟ فقال له يحيى : قل له : يا أمير المؤمنين ، أرى أنّك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك . 636 - أنفذ ملك الروم إلى المنصور رسولا ، فورد عند فراغه من الجانبين من مدينة السّلام . فأمر المنصور عمارة بن حمزة أن يركب معه إلى المهدي وهو نازل في الرصافة . فلما صار إلى الجسر رأى الرسول عليه من الزّمنى والسّؤّال عالما ، فقال لترجمانه : قل لهذا - يعني عمارة بن حمزة - إني أرى عندكم قوما يسألون ، وقد كان يجب على صاحبك أن يرحم هؤلاء ويكفيهم مؤنهم ومؤن عيالاتهم . فقال له عمارة : قل له إنّ الأموال لا تسعهم . ومضى إلى المهديّ وعاد إلى المنصور فخبره عمارة بذلك فقال أبو جعفر : كذبت ، ليس الأمر على ما ذكرت ، والأموال واسعة ، لكن العذر ما أنا ذاكره له ، فأحضرنيه . فأحضره إياه ، فقال له : قد بلغني ما قلته لصاحبنا وما قاله لك ، وكذب لأنّ الأموال واسعة ، ولكنّ أمير المؤمنين يكره أن يستأثر على أحد من رعيّته وأهل سلطانه بشيء من حظَّ أو فضل في دنيا أو آخرة ،