ابن حمدون
322
التذكرة الحمدونية
رجل كان بنى القصر المهدوم ، وكان ينسب إليه ، وكان الرائي إذا رأى القصر وجلالته وعلم أني من ولد الباني له عرف بذلك قديم نعمتي وجلالة أوّلي . فاستحسن ذلك يحيى منه وقال للفضل وجعفر : لا شيء أبقى من البناء ، فاتخذوا منه ما يبقى لكم ذكرا . فاتّخذ جعفر قصره ، وكذلك الفضل . وأمر يحيى بإنفاذ كتاب مع المتظلَّم يطالب العامل بإعادة قصره وإنصافه في ظلامته . « 632 » - وقيل : لما قارب جعفر بن يحيى الفراغ من بناء قصره هذا صار إليه ومعه أصحابه ، وفيهم مويس بن عمران ، وكان عاقلا كاملا ، فطاف به واستحسنه ، وقال فيه من حضره من أصحابه في ذلك وأكثر القول ومويس ساكت . فقال جعفر : ما لك لا تتكلم ؟ قال له : في ما قال أصحابنا كفاية ، وتكرار القول ممّا لا يحتاج إليه . وكان جعفر زكنا ، فعلم أن تحت قوله شيئا . قال : وأنت فقل ؛ فقال : هو ما قالوا . قال : أقسم لتقولن . قال : إن أبيت إلا أن أقول فتعتزل ، ففعل . فقال : تصبر على الصدق ؟ قال : نعم قال : فأطيل أم أختصر ؟ قال : بل اختصر . قال : أسألك باللَّه إن خرجت من دارك هذه فمررت بدار لبعض أصحابك تشبهها أو تقاربها فما أنت قائل ؟ قال : قد فهمت فما الرأي ؟ قال : هو رأي واحد ، إن أخّرته عن ساعتك هذه فات فلم تلحقه . قال : وما هو ؟ قال : لا أشك أن أمير المؤمنين قد طلبك ، وسأل عن خبرك ، وضجر بتخلَّفك ، فأطل اللبث وامض إليه من فورك ، وادخل عليه وعليك أثر الغبار ، فإذا سألك عن خبرك فقل : صرت إلى الدار التي بنيتها للمأمون ، ثم أتبع ذلك من القول ما أنت أعلم به . قال : وقد كان جعفر اتّخذ في هذا القصر ثلاثمائة وستين مقصورة ، وكتب إلى كل ناحية يعمل فيها الفرش بأمر أن يتّخذ لبنائه ما يحتاج إليه من الفرش على ذرعه ومقاديره . وكان قد كثر القول في البناء والفرش . فأقام في الدار ساعة ثم مضى من فوره ، ودخل على الرشيد فسأله عن خبره ، فقال : كنت في الدار التي اتّخذتها للمأمون على دجلة ، وتفقدت بعض ما احتجت إلى تفقّده منها . قال :
--> « 632 » انظر ترجمة جعفر البرمكي في وفيات الأعيان 1 : 328 - 346 .