ابن حمدون
31
التذكرة الحمدونية
لغيري أن يراك نشيطا لشيء فيعارضك فيه ، ولا أن تكون متعصّبا لحيّز وجنبة فيغالبك ، وإلا فما في الأرض صوت لا أعرفه . قال : دع ذا عنك ، قد أقررت أمس بالجهالة بما سمعت من صاحبها فإن كنت أمسكت بالأمس عنه على معرفة كما تقول ، فهاته فليس ههنا عصبيّة ولا تمييز . فاندفع فأمرّ الأصوات كلَّها ، وابن جامع مصغ يستمع منه حتى أتى على آخرها . فاندفع ابن جامع فحلف بالأيمان المحرجة أنّه ما عرفها قطَّ ولا سمعها ، وما هي إلا من صنعته ، لم تخرج إلى أحد غيره . فقال له : ويحك ، فما أحدثت بعدي ؟ فقال : ما أحدثت حدثا ، فقال : يا إبراهيم ، بحياتي اصدقني ، قال : وحياتك لأصدقنّك ؛ رميته بحجره ، وبعثت إليه بمحمّد الزّفّ وضمنت له ضمانات أحدها رضاك عنه ، فمضى فاحتال لي عليه حتى أخذها عنه ونقلها إليّ ، وقد سقط عني الآن اللوم بإقراره لأنّه ليس عليّ أن أعرف ما صنعه هو ولم يخرجه إلى الناس ، وهذا باب من الغيب ولو لزمني أن أروي صنعته للزمه أن يروي صنعتي ، ولزم كلّ واحد منّا لسائر طبقته ونظرائه مثل ذلك ، فمن قصّر عنه كان مذموما ساقطا . فقال الرشيد له : صدقت يا إبراهيم ونصحت عن نفسك وقمت بحجّتك . ثم أقبل على ابن جامع فقال له : يا إسماعيل ، أتيت أتيت ! دهيت دهيت ! أبطل عليك الموصليّ ما فعلته بالأمس وانتصف منك ، ثم دعا بالزّفّ ورضي عنه . « 52 » - روي أنّ الرشيد هبّ ليلة من نومه ، فدعا بحمار كان يركبه في القصر أسود قريب من الأرض ، فركبه وخرج في درّاعة وشي متلثّما بعمامة وشي ملتحفا بإزار وشي ، وبين يديه أربعمائة خادم أبيض سوى الفرّاشين . وكان مسرور الفرغاني جريئا عليه لمكانه عنده ، فلما خرج من باب القصر قال : أين تريد يا أمير المؤمنين في هذه الساعة ؟ قال : منزل الموصليّ . قال مسرور : فمضى ونحن معه حتى انتهى إلى منزل إبراهيم ، فخرج فتلقّاه وقبّل حافر حماره وقال له : يا أمير
--> « 52 » الأغاني 5 : 198 - 199 والبيتان في العقد 6 : 81 .