ابن حمدون
304
التذكرة الحمدونية
طاعتك ، وغرس أيّامك . فقال : أمرتك بالتضييق على النبطيّ عمرو بن بهنوي ، فقابلت أمري بالضدّ ، ووسّعت عليه ، وأقمت له الأنزال ! فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ عمرا يطالب بأموال عظيمة ، فلم آمن أن أجعل محبسه في بعض الدواوين ، فيبذل مالا يرغب في مثله فيتخلَّص ، فجعلت محبسه في داري ، وأشرفت على طعامه وشرابه لأحرس لك نفسه ، فإنّ كثيرا من الناس اختانوا السلطان ، وتمتّعوا بالأموال ، ثم طولبوا بها ، فاحتيل عليهم ليتلفوا ويفوز بالأموال غيرهم . قال الفضل : وإنّما أردت بذلك تسكين غضب المأمون عليّ ، ولم أعرض الرقعة عليه ، ولا أعلمته ما جرى بيني وبين عمرو لأني لم آمن سورة غضبه في ذلك الوقت لاشتداده . فقال لي : سلَّم عمرا إلى محمد بن يزداد ، فتسلَّمه ولم يزل يعذّبه بأنواع العذاب ليبذل له شيئا ، فلما رأى أصحابه وعمّاله ذلك وما قد ناله جمعوا له بينهم ثلاثة آلاف ألف درهم ، وسألهم عمرو أن يبذلوها لمحمد ؛ وصار محمد إلى المأمون متبجّحا بها ، فأوصل الخطَّ بها إلى المأمون ، وكنت واقفا ، فقال المأمون : يا فضل ، ألم نعلمك أنّ غيرك أقوم بأمورنا ، وأطوع لما نأمر به ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أرجو أن أكون في حال استبطائك أبلغ في طاعتك من غيري ؛ فقال المأمون : هذه رقعة عمرو بن بهنوي بثلاثة آلاف ألف درهم . فقلت له - وما اجترأت عليه قطَّ جرأتي في ذلك اليوم ، فإني أخرجت عليه إضبارة كانت مع غلامي ، فأخذت الرقعة منها مسرعا - وقلت : واللَّه لأعلمنّ أمير المؤمنين أني مع رفقي أبلغ في حياطة أمواله من غيري مع غلظته ، وأريته رقعة عمرو التي كان كتبها لي وحدّثته حديثه عن آخره ، فلما تبيّن الخطَّين وعلم أنّهما جميعا خطَّ عمرو قال : ما أدري أيّكما أعجب ؟ أعمرو حين شكر برّك وطابت نفسه بالخروج عن ملكه بهذا السبب ، أم أنت ومحافظتك على أهل النّعم وسترك عليه في ذلك الوقت ، واللَّه لا كنتما يا نبطيّان أكرم مني ، ودفع إليّ الرقعة التي أخذها محمد بن يزداد من عمرو ، وأمرني بتخريقها وبتخريق الأولى ، وأنفذ