ابن حمدون

297

التذكرة الحمدونية

عنها وقد كانت مدّته فيها طالت ، فوطئت آثار رجل لم أر أجمل آثارا منه ، ولا أعفّ عن الأموال السلطانية والرعية ، ولا رأيت رعيّة لعامل أشكر من رعيته له . وكان عرق الموت الخادم ، صاحب البريد بمصر ، أصدق الناس له مع هذا ، وكان من أبغض الناس [ إلي ] وأشدّهم اضطراب أخلاق ، فلم أتعلَّق عليه بحجّة ، ووجدته قد أخّر رفع الحساب لسنة متقدّمة وسنته التي هو فيها ، ولم يستتمّها بصرفي له عنها ، ولم ينفذه إلى الديوان ، فسمته أن يحطَّ من الدّخل ويزيد في النفقات [ والأرزاق ] ، ويكسر من البقايا [ في كل سنة مائة ألف دينار ] ، فامتنع من ذلك ؛ وأغلظت له وتوعّدته ، ونزلت معه إلى مائة ألف واحدة للسنين كلَّها ، وحلفت له بأيمان مغلَّظة أنني لا أقنع منه بأقلّ منها ؛ فأقام على امتناعه وقال : أنا لا أخون لنفسي ، فكيف أخون لغيري ، وأزيل ما قام به جاهي من العفاف ؟ فحبسته وقيّدته فلم يجب ، ولم يزل مقيّدا في الحبس شهورا ؛ وكتب عرق الموت صاحب البريد بمصر يعرّف المتوكَّل ويحلف أنّ أموال مصر ليس تفي بنفقتي ومؤونتي ، ويصف أحمد بن أبي خالد ، ويذكر ميل الرعية إليه ، ويصف عفّته ؛ فبينا أنا ذات يوم على المائدة آكل إذ وردت رقعة أحمد بن أبي خالد يسألني استدعاءه لمهمّ يلقيه إليّ ، فلم أشكّ أنّه غرض من الحبس والقيد ، وقد عزم على الاستجابة لدعائي ومرادي . فلما غسلت يدي دعوته ، واستخلاني فأخليته . فقال : أما آن لك أن ترقّ عليّ ممّا أنا فيه من غير ذنب إليك ولا جرم ، ولا قديم ذحل ولا عداوة ؟ فقلت ، أنت اخترت لنفسك هذا ، وقد سمعت يميني ، وليس منها مخرج ، فاستجب لما أريد منك واخرج . فأخذ يستعطفني فجاءني ضدّ ما كنت قدّرته ، وغاظني فشتمته ، وقلت له : الأمر المهمّ الذي ذكرت في رقعتك أنّك أردت إلقاءه إليّ هو أن تستعطفني وتسخر مني وتخدعني ؟ فقال لي : الآن ليس عندك غير هذا ؟ [ فقلت : لا ، فقال : إذا كان ليس عندك غير هذا فاقرأ يا سيدي هذا ] [ 1 ] ،