ابن حمدون

29

التذكرة الحمدونية

ويردّده على جارية له ، ووقفت حتى دار لي واستوى فأخذته منه ، فدعا به الرشيد ورضي عنه وأمر له بخمسة آلاف دينار . « 51 » - وروي أن الرشيد قال يوما لجعفر بن يحيى : قد طال سماعنا لهذه العصابة على اختلاط الأمر فيها ، فهلَّمّ أقاسمك إيّاها وأخايرك ، فاقتسما المغنّين على أن جعلا بإزاء كلّ رجل نظيره ، وكان إسماعيل بن جامع في حيّز الرشيد ، وإبراهيم الموصليّ في حيّز جعفر ، وحضر الندماء لمحنة المغنّين . وأمر الرشيد ابن جامع بالغناء ، فغنّى صوتا أحسن فيه كلّ الإحسان ، وأطرب الرشيد كلّ الإطراب . فلما قطعه قال الرشيد لإبراهيم : هات يا إبراهيم هذا الصوت فغنّه ، فقال : لا واللَّه يا أمير المؤمنين ما أعرفه ! وظهر الانكسار فيه . فقال الرشيد لجعفر : هذا واحد . ثم قال لابن جامع : غنّ يا إسماعيل ، فغنّى صوتا ثانيا أحسن من الأول وأرضى في كلّ حال . فلما استوفاه قال الرشيد لإبراهيم : هاته يا إبراهيم قال : ولا أعرف هذا . قال : هذان اثنان ، غنّ يا إسماعيل ، فغنّى ثالثا يتقدّم الصوتين الأوّلين ويفضلهما ، فلما أتى على آخره قال : هاته يا إبراهيم ، قال : لا ، ولا أعرف هذا أيضا . فقال له جعفر : أخزيتنا أخزاك اللَّه ! قال : وأتمّ ابن جامع يومه والرشيد مسرور به ، وأجازه الجوائز الكثيرة وخلع عليه خلعا فاخرة . ولم يزل إبراهيم منخزلا منكسرا حتى انصرف ، فمضى إلى منزله ، فلم يستقرّ فيه حتى بعث إلى محمد المعروف بالزّفّ ، وكان محمد من المغّنين المحسنين ، وكان أسرع من عرف في أيّامه بأخذ الصوت يريد أخذه ، وكان الرشيد وجد عليه في بعض ما يجده الملوك على أمثاله ، فألزمه بيته وتناساه . فقال إبراهيم للزّفّ : إني اخترتك عمّن هو أحبّ إليّ منك لأمر لا يصلح له غيرك ، فانظر كيف تكون . قال : أبلغ في ذلك محبّتك إن شاء اللَّه . فأدّى إليه الخبر وقال : أريد أن تمضي من ساعتك إلى ابن جامع فتعلمه أنّك صرت إليه مهنّئا

--> « 51 » الأغاني 5 : 189 - 191 .