ابن حمدون

275

التذكرة الحمدونية

كانت باطلة لم نتعجّل الإثم والاشتغال عما أنت بسبيله . فأمر بي إلى الحبس فمكثت فيه أياما . وغزا أمير المؤمنين عمورية وقتل عجيفا في نوبة العباس بن المأمون ، واتّصل الخبر بكاتبه فأطلقني ، وخرجت فلم أهتد إلى حبّة فضة فما فوقها . فقصدت صاحب الديوان بسرّ من رأى لصداقة كانت بيني وبينه ، فلما رآني سرّ بإطلاقي ، وتوجّع من سوء حالي ، وعرض عليّ ماله ، فقلت : تتفضل بتصريفي في شيء أستر بجاريه . فقلَّدني عملا بنواحي ديار ربيعة ، واقترضت من التجار لما سمعوا بخبر ولايتي ما تحمّلت به إلى العمل ، وخرجت . وكان في ضياع العمل ضيعة تعرف بعراثا ، فنزلتها في بعض طرفي العمل ونزلت دارا منها . فلما كان السحر وجدت المستحمّ ضيّقا غير نظيف ، فخرجت إلى ظاهر الدار ، وإذا بتلّ ، فجلست أبول عليه . وخرج صاحب الدار فقال : أتدري على أي شيء بلت ؟ قلت : على تلّ تراب . فضحك وقال : هذا رجل يعرف بعجيف من قوّاد السلطان ، كان سخط عليه وحمله مقيّدا ، فلما صار إلى ههنا قتل وطرح في هذا المكان تحت حائط ، فلما انصرف العسكر طرحنا الحائط عليه لنواريه من الكلاب ، فهو تحت على هذا التلّ التراب . قال : فعجبت من بولي خوفا منه ومن بولي على قبره عليه . « 525 » - وأورد التنوخي في كتاب « الفرج بعد الشدة » ما هو بالأحداث الغريبة والاتفاقات العجيبة أليق ، وبهذا المكان أشبه . قال : غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم ، فسبى سبيا كثيرا ، وأقام في بعض المنازل ، فعرض السبي على السيف ، فقتل خلقا ، حتى عرض عليه شيخ ضعيف ، فأمر بقتله ؛ فقال له : ما حاجتك إلى قتل شيخ ضعيف مثلي ؟ إن تركتني جئتك بأسيرين من المسلمين شابّين . قال : ومن لي بذلك ؟ قال : إني إذا وعدت وفيت . قال : لست أثق بك . قال : فتدعني أطوف في عسكرك لعلي أعرف من يكفل بي إلى أن أمضي

--> « 525 » الفرج بعد الشدة 2 : 29 - 31 .