ابن حمدون
272
التذكرة الحمدونية
الهلاليّ وكان حسن الوجه نجيبا ، قلَّما رأيت في الفتيان مثله ، قال : كان منّا فتى يقال له بشر بن عبد اللَّه يعرف بالأشتر ، وكان سيّد فتيان بني هلال ، أحسنهم وجها ، وأسخاهم نفسا ، وأطولهم لمّة ، وكان معجبا بجارية من قومه يقال لها : جيداء ، وكانت بارعة الجمال جدّا . فلما شهر أمره وأمرها ، وظهر خبره وخبرها ، وقع الشرّ بين أهل بيته وأهل بيتها في سببها حتى قتلوا بينهم القتلى ، وقطَّعت بينهم الأيدي والأرجل ، وافترقوا فريقين لا يحل واحد منهما مع الآخر . قال نمير : فلما طال على الأشتر البلاء والهجر جاءني يوما ، فقال : يا نمير ، [ هل ] فيك خير ؟ [ قلت ] : عندي كلّ ما أحببت . قال : أسعدني على زيارة جيداء ، قلت : نعم بالحب والكرامة ، فانهض إذا شئت . قال : فركب وركبت معه ، فسرنا يومنا وليلتنا والغد ، حتى كان أصيل العشيّ ، ثم نظر إلى أدنى سرب أهلها ، فأنخنا رواحلنا في شعب خفيّ ، وقعد عندها وقال : يا نمير اذهب - رضي اللَّه عنك - فتأنّس للناس واذكر لمن لقيك أنك طالب ضالة ، ولا تعرّض بذكري بين شفة ولا لسان إلا أن تلقى جاريتها فلانة راعية ضأنهم فتقرؤها السلام وتسألها الخبر وتعلمها بمكاني . قال : فخرجت لا أعدو ما أمرني حتى لقيت الجارية ، فأبلغتها الرسالة وأعلمتها مكانه ، وسألتها عن الخبر ، فقالت : هي واللَّه مشدّد عليها محتفظ بها ، وعلى ذاك فموعد كما أولئك الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت مع صلاة العشاء . قال : فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته الخبر ، ثم نهضت أنا وهو نقود راحلتينا حتى أتينا الموعد في الوقت الذي وعدتنا فيه . فلم نلبث إلا قليلا إذا جيداء تمشي حتى دنت منا فوثب الأشتر فصافحها وسلَّم عليها . فوثبت مولَّيا عنهما ، فقالا : نقسم عليك إلا رجعت ! فو اللَّه ما بيننا ريبة ولا قبيح نخلو به دونك ، فانصرفت راجعا إليهما حتى جلست معهما . فقال لها الأشتر : أما فيك حيلة يا جيداء فنتعلَّل الليلة ؟ قالت : لا واللَّه ما لي إلى ذلك سبيل إلا أن أرجع إلى الذي تعلم من البلاء والشرّ . فقال لها : لا بد من ذاك