ابن حمدون
254
التذكرة الحمدونية
قال : وكان بيد الواثق قلم أو قضيت فلم يزل يفركه حتى كسره ، فظننّا أنّ ذلك لغيظه على أحمد . ثم قال : اقطعوا قيد الشيخ ، فقطع . فضرب الشيخ بيده إلى القيد فجذبه إليه ومنعه الحدّاد من أخذه ، فقال الواثق : دعوا الشيخ يأخذه ، فجعله في كمّه ، فقال له الواثق : لم أخذته ، أحاجة منك إليه ؟ قال : لا واللَّه يا أمير المؤمنين ، لكني عقدت في نيّتي إذا حضرني الموت أن آمر من يتولَّى أمري أن يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به يوم القيامة بين يدي ربي هذا الظالم ، وأومأ إلى ابن أبي دواد ، وأقول يا ربّ ، سل عبدك هذا لم قيّدني وروّع ولدي وأهلي ؟ فبكى الواثق بكاء شديدا وبكينا حوله . ثم قال له الواثق : يا شيخ ، اجعلني في حلّ وسعة ممّا نالك ، فقال : واللَّه يا أمير المؤمنين لقد جعلتك منذ أوّل يوم في حلّ وسعة إكراما لرسول اللَّه عليه السلام إذ كنت رجلا من أهله . فسرّ الواثق بقوله وقال : يا شيخ ، فإنّ لي إليك حاجة ؛ قال : قل يا أمير المؤمنين ؛ قال : تقيم عندنا فينتفع بك أولادنا ومن معنا . فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّه أنفع لك من مقامي قبلك رجوعي إلى الثّغر الذي أخرجني منه هذا الظالم . وأخبرك بأوّل منفعة ذلك ، وهو أني أكفّ عنك دعاء ولدي وأهلي وإخواني ، فإني تركتهم يدعون اللَّه عليك . فقال الواثق : ههنا حاجة أخرى ، قال : قل يا أمير المؤمنين ، قال : تذكر كلّ ما تحتاج إليه لمؤنتك ونفقتك ونفقة عيالك ، فتأخذه ونجعله لك جاريا يقيمه العامل بتلك الناحية . قال : يا أمير المؤمنين ، أنا غنيّ عن ذلك ، وقد قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : « لا تحلّ الصدقة لغنيّ » [ 1 ] ، ولكن لي أنا حاجة يا أمير المؤمنين ، قال : قل ما أحببت ؟ قال : تأذن لي الساعة بالمسير ؛ قال : قد فعلت ، فتزوّد منّا نفقة ، قال : لا واللَّه يا أمير المؤمنين ، ما لي إليها حاجة كبرت أم صغرت ، ولا يراني اللَّه متغنّما مالك ، ثمّره اللَّه وألهمك إنفاقه فيما يقرّبك منه .