ابن حمدون
252
التذكرة الحمدونية
أقوله أنا لك ؟ قلت : ما رآه أمير المؤمنين . قال : كأني بك وقد استحسنت ما رأيت من أمرنا في العامة فقلت في نفسك : أيّ خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول بمقالة أبيه في القرآن ! فورد عليّ أمر جليل بقيت له متحيّرا ؛ ثم قلت يا صالح : [ وهل ] نموت إلَّا مرّة واحدة ! وهل يحسن الكذب في جدّ أو هزل ؟ فقلت : واللَّه يا أمير المؤمنين ما خرمت حرفا ممّا دار في نفسي . فأطرق ساعة ثم قال لي : يا صالح ، اسمع منّي ما أقول لك ، فو اللَّه الذي لا إله غيره لتسمعنّ منّي حقّا ما شانه غيره . فقلت : يا سيّدي ، ومن أولى بالحقّ منك ، وأنت خليفة اللَّه ، وابن عمّ رسول اللَّه ؟ فقال : ما زلت برهة من خلافة الواثق رضي اللَّه عنه أقول بهذه المقالة حتى أقدم ابن أبي دواد علينا في المحنة شيخا من أهل الشام ، ثم من أهل أذنة ؛ فأحضره الواثق ، فأدخل شيخ جميل تامّ بهيّ ، وفي رجليه قيدان ثقيلان ؛ فرأينا الواثق كالمستحي منه ، الراحم له ، فأسندناه حتى قرب منه ؛ فسلَّم الشيخ فردّ عليه ، ودعا فأوجز في الدعاء ؛ فقال له الواثق : يا شيخ ، ناظر أحمد بن أبي دواد على ما يناظرك عليه ؛ فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، أحمد يصبو [ 1 ] ويضعف عن المناظرة ويقلّ عنها أيضا ؛ فغضب الواثق وقال : ويلك ! أبو عبد اللَّه يصبو ويضعف ويقلّ عن مناظرة مثلك ! واحمرّ وجهه ودارت عيناه ؛ فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، هوّن عليك ، وليسكن ما بك ، وائذن في مناظرته تعلم صدق قولي . قال الشيخ : يا أحمد ، تسألني أم أسألك ؟ قال : سل ؛ قال : إلام تدعو الناس وتدعوني ؟ قال : إلى أن يقولوا : إنّ القرآن مخلوق . قال الشيخ : ولم يا أحمد ؟ قال : لأنّ كلّ شيء دون اللَّه مخلوق . فقال الشيخ : يا أحمد ، أخبرني عن هذه المقالة ، هي داخلة في عقد الدين ، فلا يكمل الدين حتى يقال بها ؟