ابن حمدون

236

التذكرة الحمدونية

يدعوك دعوة ملهوف كأنّ به خبلا من الجنّ أو مسّا من النّشر [ 1 ] ممّن يعدّك تكفي فقد والده كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطر قال : فبكى عمر ، ثم قال : يا ابن الخطفى ، من أبناء المهاجرين أنت فنعرف لك حقّهم ؟ أم من أبناء الأنصار فيجب لك ما يجب لهم ؟ أم من فقراء المسلمين فنأمر صاحب صدقات قومك فيصلك بمثل ما يصل به قومك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، ما أنا بواحد من هؤلاء ، وإني لمن أكثر قومي مالا وأحسنهم حالا ، ولكني أسألك ما عوّدنيه الخلفاء : أربعة آلاف درهم ، وما يتبعها من كسوة وحملان ، فقال له عمر : كلّ امرئ ملقّى فعله ، فأمّا أنا فما أرى لك في مال اللَّه من حقّ ، ولكن انتظر ، يخرج عطائي فأنظر ما يكفي عيالي سنة منه فأدّخره لهم ، ثم إن فضل فضل صرفناه إليك . فقال جرير : لا ، بل يوفّر أمير المؤمنين ويحمد وأخرج راضيا ، قال : فذلك أحبّ إليّ . فلما خرج قال عمر : إنّ شرّ هذا ليتّقى ، ردّوه إليّ ، فردّوه . فقال : إنّ عندي أربعين دينارا وحلَّتين ، إذا غسلت إحداهما لبست الأخرى ، وأنا مقاسمك ذلك ، على أنّ اللَّه تعالى يعلم أنّ عمر أحوج إلى ذلك منك . فقال له : قد وفّرك اللَّه يا أمير المؤمنين ، وأنا واللَّه راض ، قال له : أما وقد حلفت فإنّ ما وفّرته عليّ ولم تضيّق به معيشتنا آثر في نفسي من المدح ، فامض مصاحبا ؛ [ فخرج ] . فقال له أصحابه وفيهم الفرزدق : ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة ؟ قال : خرجت من عند رجل يقرّب الفقراء ، ويباعد الشعراء ، وأنا مع ذلك عنه راض ، ثم وضع رجله في [ غرز ] راحلته ، وأتى قومه فقالوا له : ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة ؟ فقال : [ من الطويل ] تركت لكم بالشام حبل جماعة أمين القوى مستحصد العقد باقيا