ابن حمدون
227
التذكرة الحمدونية
فلما رآني قال : قد جوّدت واللَّه يا محمد ، إلينا إلينا ! فقبّلت الأرض ثم قلت : يا أمير المؤمنين ، خيرا ! قال خيرا ! أما ترانا ! طلبت واللَّه ثالثا يؤنسنا فلم أر [ أحقّ ] بذلك منك ، فبحياتي بادر وكل شيئا وبادر إلينا ؛ فقلت : قد واللَّه يا سيّدي أكلت وشربت أيضا ، قال : فاجلس ، فجلست وقال : هاتوا لمحمد رطلا في قدح ، فأحضرت ذلك واندفعت فريدة تغنّي : [ من الطويل ] أهابك إجلالا [ وما بك ] قدرة عليّ ولكن ملء نفس حبيبها [ 1 ] فجاءت واللَّه بالسّحر ، وجعل الواثق يجاذبها ، وفي خلال ذلك تغنّي الصوت بعد الصوت ، وأغنّي أنا في خلال غنائها ، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد . فإنّا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت بها من أعلى السرير إلى الأرض ، وتفتّت عودها ، ومرّت تعدو وتصيح ؛ وبقيت كالمنزوع الروح ، ولم أشكّ في أنّ عينه وقعت عليّ ، وقد نظرت إليّ ونظرت إليها . وأطرق إلى الأرض متحيّرا ، وأطرقت أتوقّع ضرب العنق . فإني كذلك إذ قال لي : يا محمد ، فوثبت ، فقال لي : ويحك أرأيت أعجب ممّا [ تهيّأ علينا ] ؟ فقلت : يا سيدي ، الساعة واللَّه تخرج روحي ، فعلى من أصابنا بعين لعنة اللَّه ، فما كان السبب والذّنب ؟ قال : لا واللَّه ، ولكن فكَّرت في أنّ جعفرا يقعد هذا المقعد غدا وتقعد معه كما هي قاعدة معي ، فلم أطق الصّبر ، وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت . فسرّي عني وقلت : بل يقتل اللَّه جعفرا ، ويحيا أمير المؤمنين أبدا ، وقبّلت الأرض وقلت : يا سيّدي ، ارحمها ومر بردّها . فقال لبعض الخدم الوقوف : مر [ من ] يجيء بها ، فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفي يدها عودها ، وعليها غير الثياب التي كانت عليها ، فلما رآها جذبها إليه ، وغلبها البكاء فبكت ، وجعل هو يبكي واندفعت أنا في البكاء . فقالت : ما ذنبي يا مولاي ؟ وبأيّ شيء استوجبت هذا ؟ فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي وهي