ابن حمدون
174
التذكرة الحمدونية
تعريفك ما قاله المأمون ، ففعل ذلك ، ولطف له ، وعرّفه أنّه لمّا رأى طاهرا دمعت عيناه ، وترحّم على محمد الأمين ، ومسح دمعه بالمنديل . فلما عرف ذلك طاهر ركب من وقته [ إلى أحمد بن أبي خالد الأحول ] ، وكان طاهر لا يركب إلى أحد من أصحاب المأمون ، وكلَّهم يركب إليه ، فقال له : جئتك لتوليني خراسان وتحتال لي فيها . وكان أحمد يتولَّى فضّ الخرائط بين يدي المأمون وغسّان بن عباد إذ ذاك يتولى خراسان . فقال له أحمد : هلَّا أقمت بمنزلك وبعثت إليّ حتى أصير إليك ، ولا يشهر الخبر فيما تريده بما ليس من عادتك ، لأنّ المأمون يعلم أنّك لا تركب إلى أحد من أصحابه ، وسيبلغه هذا فينكره ، فانصرف وأغض عن هذا الأمر وأمهلني مدّة حتى أحتال لك . [ ولبث مدة ، وزوّر ابن أبي خالد ] كتابا من غسان بن عبّاد إلى المأمون يذكر فيه أنّه عليل ، وأنّه لا يأمن على نفسه ، ويسأل أن يستخلف غيره على خراسان ، وجعله في خريطة ، وفضّها بين يدي المأمون في خرائط وردت عليه . فلما قرأ على المأمون الكتاب ، اغتمّ به وقال : ما ترى ؟ فقال : لعلّ هذه علَّة عارضة تزول ، وسيرد بعد هذا غيره ، فيرى حينئذ أمير المؤمنين رأيه . ثم أمسك أيّاما وكتب كتابا آخر ودسّه في الخرائط يذكر فيه أنّه قد تناهى في العلَّة إلى ما لا يرجو معه [ نفسه . فلما قرأه المأمون قلق وقال : يا أحمد إنه لا مدفع لأمر خراسان ، فما ترى ؟ ] فقال : هذا رأي إن أشرت فيه بما أرى فلم أصب ، لم أستقله [ 1 ] ، وأمير المؤمنين أعلم بخدمه ومن يصلح لخراسان منهم . قال : فجعل المأمون يسمّي رجالا ويطعن أحمد على واحد واحد منهم ، إلى أن قال له : فما ترى في الأعور ؟ فقال : إن كان عند أحد قيام بهذا الأمر ونهوض فيه ، فعنده . فدعا به المأمون فعقد له على خراسان ، وأمره أن يعسكر فعسكر بباب خراسان .