ابن حمدون
154
التذكرة الحمدونية
بلال من المسجد ويده على أمّ رأسه وهو ينادي : هذا رسول اللَّه يعطي القصاص من نفسه ، فقرع الباب على فاطمة ، فقال : يا ابنة رسول اللَّه ، ناوليني القضيب الممشوق ، فقالت فاطمة : يا بلال ، وما يصنع أبي بالقضيب وليس هذا يوم حجّ ولا [ . . . ] ؟ فقال : يا فاطمة ، ما أغفلك عمّا فيه أبوك ؟ ! إنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم يودع الدين ويفارق الدنيا ، ويعطي القصاص من نفسه ، فقالت فاطمة عليها السلام : يا بلال ، ومن تطيب نفسه أن يقتصّ من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ؟ يا بلال ، أدن وقل للحسن والحسين يقومان إلى هذا الرجل فيقتصّ منهما ، ولا يدعانه يقتصّ من رسول اللَّه . ودخل بلال المسجد ، ودفع القضيب إلى عكاشة . فلما نظر أبو بكر وعمر إلى ذلك قاما فقالا : يا عكاشة ، هذا نحن بين يديك ، فاقتصّ منا ولا تقتصّ من رسول اللَّه . فقال لهما النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم : امض أنت يا أبا بكر ، وأنت يا عمر فامض ، فقد عرف اللَّه مكانكما ومقامكما ؛ وقام عليّ بن أبي طالب فقال : يا عكاشة ، أنا في الحياة بين يدي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، ولا تطيب نفسي أن تضرب رسول اللَّه ، فهذا ظهري وبطني ، اقتصّ مني بيدك واجلدني ، ولا تقتصّ من رسول اللَّه . فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم : يا عليّ ، اقعد ، فقد عرف اللَّه مقامك ونيّتك . وقام الحسن والحسين فقالا : يا عكاشة ، ألست تعلم أنّا سبطا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، والقصاص [ منّا ] كالقصاص من رسول اللَّه ؟ فقال لهما النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم : اقعدا يا قرّة عيني ، لا نسي اللَّه لكما هذا المقام ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : يا عكاشة ، اضرب إن كنت ضاربا ، فقال : يا رسول اللَّه ، ضربتني وأنا حاسر عن بطني . فكشف عن بطنه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، وصاح المسلمون وقالوا : أترى عكاشة ضاربا بطن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ؟ ! فلما نظر عكاشة إلى بياض بطنه صلَّى اللَّه عليه وسلم كأنّه القباطيّ ، لم يملك أن أكبّ عليه ، فقبّل بطنه وهو يقول : فداك أبي وأمي ، ومن تطيق نفسه أن يقتصّ منك ؟ ! فقال له النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم : إمّا أن تضرب ، وإمّا أن تعفو . فقال : قد عفوت عنك رجاء أن يعفو اللَّه عني في القيامة . فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم : من أراد أن