ابن حمدون

417

التذكرة الحمدونية

موقوفة على غدير فأغذذت السير نحو الغدير ، فإذا نسوة مستنقعات في الماء ؛ فقلت : لم أر كاليوم قط ولا يوم دارة جلجل ، وانصرفت مستحييا منهن . فنادينني باللَّه يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شيء ، فانصرفت إليهن وهنّ في الماء إلى حلوقهن ، فقلن : باللَّه لما حدثتنا بحديث دارة جلجل ، فقلت : إنّ امرأ القيس كان يهوى ابنة عمّ له يقال لها عنيزة ، فطلبها زمانا فلم يصل إليها حتى كان يوم الغدير ، وهو يوم دارة جلجل ، وذلك أنّ الحيّ احتملوا فتقدّم الرجال وتخلَّف النساء والخدم والثقل ، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلَّف بعد ما سار مع الرجال غلوة ، فكمن في غيابة من الأرض حتى مرّ به النساء ، فإذا فتيات وفيهن عنيزة ، فلما وردن الغدير قلن : لو نزلنا فذهب بعض كلالنا ، فنزلن إليه ونحين العبيد عنهنّ ، ثم تجرّدن فاغتمسن في الغدير كهيئتكنّ الساعة ، فأتاهنّ امرؤ القيس مخاتلا كنحو ما أتيتكنّ وهنّ غوافل ، فأخذ ثيابهنّ فجمعها . ورمى الفرزدق بنفسه عن بغلته فأخذ بعض أثوابهنّ فجمعها ووضعها على صدره وقال لهنّ كما أقول لكنّ : واللَّه لا أعطي جارية منكنّ ثوبها ولو قامت في الغدير يومها حتى تخرج مجرّدة . قال الفرزدق : فقالت إحداهنّ وكانت أمجنهنّ : هذا امرؤ القيس كان عاشقا لابنة عمه ، أفعاشق أنت لبعضنا ؟ قال : لا واللَّه ما أعشق منكنّ واحدة ولكن أستهبكنّ ، قال : فنعرن وصفقن بأيديهنّ وقلن : خذ في حديثك فلست منصرفا إلا بما تحبّ . قال الفرزدق في حديث امرئ القيس : فتأبّين عليه إلى آخر النهار وخشين أن يعصرن دون المنزل الذي أردنه ، فخرجت إحداهنّ فدفع لها ثوبها ووضعه ناحية فأخذته ولبسته ، وتتابعن على ذلك حتى بقيت عنيزة وحدها ، فناشدته اللَّه أن يطرح إليها ثوبها ، فقال : دعينا منك فأنا حرام إن أخذت ثوبك إلا بيدك ، قال : فخرجت فنظر إليها مقبلة ومدبرة ، فوضع لها ثوبها فأخذته ، وأقبلن عليه يعذلنه ويلمنه ويقلن : عرّيتنا وحبستنا وجوّعتنا ، قال : فإن نحرت لكنّ ناقتي تأكلن منها ؟ قلن : نعم ، فأخذ سيفه فعرقبها ونحرها وكشطها وصاح بالخدم فجمعوا له حطبا فأجّج نارا عظيمة ، وجعل يقطع لهنّ