ابن حمدون

410

التذكرة الحمدونية

إصلاح فساد الراعي ، من فسدت بطانته كان كالغاصّ بالماء ، شرّ البلاد بلاد لا أمير بها ، شرّ الملوك من خافه البريء ، المرء يعجز لا المحالة ، أفضل البرّ برّ برة ، خير الأعوان من لم يرائي بالنصيحة ، أحقّ الجنود من حسنت سيرته ، يكفيك من الزاد ما بلغك المحلّ ، حسبك من شرّ سماعه ، الصمت حكم وقليل فاعله ، البلاغة الإيجاز ، من تشدّد نفّر ومن تراخى ألَّف . فتعجّب كسرى من أكثم ثم قال له : ويحك يا أكثم ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك آخر كلامك في غير موضعه . قال أكثم : الصدق ينبي عنك لا الوعيد ، قال كسرى : لو لم يكن للعرب غيرك لكفاها ، قال أكثم : ربّ قول أنفذ من صول . 2 ) ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال : وري زندك ، وعلت يدك ، وملَّئت سلطانك ، إن العرب أمة غلظت أكبادها ، واستحصدت مرّتها ، وهي لك واقعة ما تألفتها ، مسترسلة ما لاينتها ، سامعة ما سامحتها ، وهي العلقم مرارة ، والصاب فظاظة ، والعسل حلاوة ، والماء الزلال سلاسة ، نحن وفودها إليك وألسنتها لديك ، ذمتنا محفوظة ، وأحسابنا ممنوعة ، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة ، إن بادرت لك حامدين جرى لك بذاك عموم محمدتها ، وإن لم تذمم لم تخصّ بالذم دونها . قال كسرى : يا حاجب ما أشبه حجل التلال بألوان صخرها ، قال حاجب ابن زرارة : زئير الأسد بصولتها ، قال كسرى : وذاك . 3 ) ثم قام الحارث بن عباد فقال : دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظَّها وعلوّ سنائها ، من طال رشاؤه كثر متحه ، ومن ذهب ماله قلّ منحه ، وعند تناقل الأقاويل يعرف اللبّ ، وهذا مقام يستوجب بما ينطق فيه الركب ، ويعرف كنه ألباب العجم والعرب ، ونحن جيرتك الأدنون وأعوانك الأعلون ، خيولنا جمة وجيوشنا قحمة ، إن استجرنا فغير ريض ، وإن استطرقنا فغير جهض ، وإن طلبنا فغير غمض ، لا ننثني لذعر ، ولا نتنكَّر لدهر ، رماحنا طوال وأعمارنا قصار .