ابن حمدون
406
التذكرة الحمدونية
اليمن - ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس ، حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس . قال النعمان : أصلح اللَّه الملك ، حق لأمة الملك منها أن تسمو بفضلها ، ويعظم خطبها ، وتعلو درجتها ، إلَّا أنّ عندي في كل ما نطق به الملك جوابا في غير ردّ عليه ولا تكذيب له ، فإن أمّنني من غضبه نطقت به . قال كسرى : قل فأنت آمن . قال النعمان : أما أمتك أيها الملك فليس تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به في عقولها وأحلامها وبسط محلها وبحبوحة عزها ، وما أكرمها اللَّه به من ولاية آبائك وولايتك ، وأما الأمم الذي ذكرت فأيّ أمة قرنتها بالعرب إلا فضلتها . قال كسرى : بماذا ؟ قال النعمان : بعزّها ومنعتها وحسن وجوهها وألوانها وبأسها وسخائها ، وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها . فأما عزّها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوّخوا البلاد ووطَّدوا الملك وقادوا الجنود ، لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل ، حصونهم ظهور خيولهم ومهادهم الأرض وسقفهم السماء وجنتهم السيوف وعدّتهم الصبر ، ثم إنّ غيرهم من الأمم إنما عزّها الحجارة والطين وجزائر البحار . وأما حسن وجوهها وألوانها فقد تعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المحترقة والصين المحسمة والترك المشوهة والروم المقشرة . وأما أنسابها فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أولاها وأخراها حتى إنّ أحدهم يسأل عما وراء أبيه دنية فلا ينسبه ولا يعرفه ، وليس أحد من العرب إلا يسمّي آباءه أبا فأبا ، حاطوا بذلك أحسابهم وحفظوا أنسابهم ، فلا يدخل رجل في غير قومه ولا ينسب إلى غير نسبه ولا يدعى إلى غير أبيه . وأما سخاؤهم فإنّ أدناهم رجلا للذي عنده البكرة يكون عليها بلاغة في حمولته وشبعه وريه ، فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويحتزىء بالسّربة فيعقرها له ويرضى أن يخرج له عن دنياه كلَّها فيما يكسبه من أحدوثة الشكر وطيب الذكر . وأما حكمة ألسنتها فإنّ اللَّه أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه ، مع معرفتهم بالإشارة وضربهم