ابن حمدون
404
التذكرة الحمدونية
وإنّ بعضهم يقتل بعضا . فعجب كسرى من ذلك وقال : بلغت حيلة قوم أن يكونوا على ما تصفون ؟ قالوا : نعم . وكتب إلى النعمان بن المنذر يخبره بما قالت الأعاجم وأنه أنكر ذلك ، وأمره أن يكتب إليه بشيء من كتبهم ليعتبر به عقولهم . فكتب النعمان إلى أكثم بن صيفي أن اكتب إلينا أمرا نبلغه عنك الملك ، وأخبره بما رفع إلى الملك من قلة عقول العرب ، فكتب إليه أكثم : لن يهلك امرؤ حتى يستصغر أفعال الناس عند فعله ، ويستبدّ على قومه برأيه في أموره ، ويعجب بما يظهر من مروءته ، ويعبر بالضعف عن قوته ، والعجز عن الأمر يتأتّى له ، وإنه ليس للمختال في حسن الثناء نصيب ، ولا للوالي المعجب في بقاء سلطانه ظفر به ، وإنه لا تمام لشيء مع العجب ، ومن أتى المكروه إلى أحد فبنفسه بدأ ، لقاء الأحبة مسلاة ، اللهم ومن أسر ما يشتبه إعلانه فلم يعالن الأعداء بسريرته سلم الناس عليه وعظم عندهم شأنه . والغيّ أن تتكلم فوق ما يشبه حاجتك ، وينبغي لمن له عقل أن لا يثق بإخاء من لم تضطرّه إليه حاجة ، وأقلّ الناس راحة الحسود ، من أتى بيده ما يقصده بقلبه فأعفه من اللائمة ، ولا تحل رحمتك دون عقوبتك ، فإن الأدب رفق ، والرفق يمن ؛ إنّ كثير النصح يهجم على كثير الظَّنّة ؛ إن أردت النصيحة فبعد إسرافك على الفضيحة ؛ وانّ أكيس الكيس التّقى وأحمق الحمق الفجور . فبعث النعمان بهذا الكتاب إلى كسرى فقرىء عليه وفسّر له ، فقال لأصحابه : أهؤلاء الذين زعمتم أنهم لا عقول لهم ، ما على الأرض قوم أعقل من هؤلاء وليكوننّ لهم نبأ . خبر النعمان ووفود العرب معه على كسرى . 1359 - قال الكلبي : قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين ، فذكروا ملوكهم وبلادهم ، فافتخر النعمان بالعرب وفضّلهم على جميع الأمم لا يستثني فارسا ولا غيرها . فقال كسرى - وأخذته غيرة الملك - : يا نعمان لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم ، ونظرت في حال من يقدم