ابن حمدون

364

التذكرة الحمدونية

فبعدا وسحقا للذي ليس دافعا ويختال يمشي بيننا مشية الفحل قال : فلما سمع أخوها الأسود ذلك ، وكان سيّدا مطاعا ، قال لقومه : يا معشر جديس ، إنّ هؤلاء القوم ليسوا بأعزّ منكم في داركم إلا بما كان من ملك صاحبهم علينا وعليهم ، ولولا عجزنا وإدهاننا ما كان له فضل علينا ، ولو امتنعنا لكان لنا منه النّصف ، فأطيعوني فيما آمركم به ، فإنه عزّ الدهر ، وذهاب ذلّ العمر فاقبلوا رأيي . قال : وقد أحمى جديسا ما سمعوا من قولها ، فقالوا : نحن نطيعك ولكنّ القوم أكثر وأقوى ، قال : فإني أصنع للملك طعاما ثم أدعوهم إليه جميعا ، فإذا جاؤوا يرفلون في الحلل ثرنا إلى سيوفنا وهم غارّون فأهمدناهم ، قالوا : نفعل . فصنع طعاما كثيرا ، وخرج بهم إلى ظهر بلدهم ، وكان منزلهم أرض اليمامة ، ودعا عمليقا وسأله أن يتغدّى عنده هو وأهل بيته ، فأجابه إلى ذلك ، وخرج إليه مع أهله يرفلون في الحلى والحلل ، حتى إذا أخذوا مجالسهم ومدّوا أيديهم إلى الطعام ، أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم ، فشدّ الأسود على عمليق وكل رجل على جليسه حتى أناموهم ، فلما فرغوا من الأشراف شدّوا على السّفلة فلم يدعوا منهم أحدا ، ثم إنّ بقيّة طسم لجأوا إلى حسّان بن تبّع ، فغزا جديسا فقتلها وخرّب بلادها . فهرب الأسود قاتل عمليق فأقام بجبل طيّ قبل نزول طيّ إياها ، وكانت طيّ تسكن الحرف من أرض اليمن ، وهي اليوم محلة مراد وهمدان ، وكان سيّدهم يومئذ أسامة بن لؤي بن الغوث بن طيّ ، وكان الوادي مسبعة ، وهم قليل عددهم ، وقد كان ينتابهم بعير في زمان الخريف لا يدرى أين يذهب ولا يرونه إلى قابل . وكانت الأزد قد خرجت من اليمن أيام العرم . فاستوحشت طيّ لذلك وقالت : قد ظعن إخواننا فصاروا إلى الأرياف . فلما هموا بالظعن قالوا لأسامة بن لؤي : إنّ هذا البعير الذي يأتينا من بلد ريف وخصب ، وإنّا لنرى في بعره النوى ، فلو أنّا نتعهّده عند انصرافه فشخصنا معه لعلَّنا نصيب مكانا خيرا من مكاننا هذا . فأجمعوا أمرهم على هذا . فلما كان الخريف جاء البعير يضرب