ابن حمدون

167

التذكرة الحمدونية

قال : خير يا أمير المؤمنين في أول وصل الرحم وأحسن الكلام ، فلا تسأل عن شكر وحسن ثناء ، ثم غضب على الناس وغضبوا عليه ، وكنّا منهم ، فإما ظالمون فنستغفر اللَّه ، وإما مظلومين فيغفر اللَّه له ، وخذ في غير هذا يا أمير المؤمنين فإن الحديث ينسي القديم . قال : ولم ؟ فو اللَّه لقد أحسن السيرة وبسط الخير وكفّ الشرّ ، قال : فأنت أقدر على ذلك منه يا أمير المؤمنين ، فافعل ، قال : اسكت لا سكتّ . فسكت وسكت القوم ، ثم قال له معاوية : ما لك لا تتحدث ؟ قال : نهيتني عما أحبّ فسكتّ عما أكره . « 796 » - قال معاوية للأحنف حين وبّخه بتخذيله عن عائشة ومشهده صفّين : فعلت وفعلت . فقال : يا أمير المؤمنين لم تردّ الأمور على أعقابها ؟ أما واللَّه إنّ القلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا ، وإنّ السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، ولئن مددت يدا بشرّ من غدر لنمدّن باعا من ختر ، وإن شئت لتستصفينّ كدر قلوبنا بصفو حلمك ، قال : فإني بها أفعل . « 797 » - روي أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه قدم إلى الشام ومعه عبد الرحمن بن عوف رحمه اللَّه وهما على حمارين قريبين من الأرض ، فتلقاهما معاوية في كبكبة حسناء ، فثنى وركه فنزل وسلَّم عليه بالخلافة فلم يردّ عليه ، فقال له عبد الرحمن أو أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين أحصرت الفتى فلو كلَّمته ، فقال : إنك لصاحب الجيش الذي أرى ؟ قال : نعم ، قال : مع شدّة احتجابك ووقوف ذوي الحوائج ببابك ؟ قال : أجل ، قال : ولم ويلك ؟ قال : لأنّا في بلاد يكثر فيها جواسيس العدوّ ، فإن نحن لم نتّخذ العدّة والعدد استخفّ بنا ، وهجم على عوراتنا ، وأنا - بعد - عاملك ، فإن وقفتني وقفت ، وإن استزدتني زدت ، وإن استنقصتني نقصت ؛ قال : فو اللَّه لئن كنت كاذبا إنه لرأي أريب ، وإن كنت

--> « 796 » نثر الدر 5 : 64 وقارن بموقف لجارية بن قدامة بن معاوية في أنساب الأشراف 4 / 1 : 62 . « 797 » نثر الدر 3 : 13 والبصائر 4 : 21 ( رقم : 16 ) ولقاح الخواطر : 70 ب .