ابن حمدون

279

التذكرة الحمدونية

منهم والصحبة ، وموجب لاستكمال الألفة بينهم والمحبة . ولما كانت الجوارح المثمنة لكلّ الناس غير ممكنة ، بل لمن جلّ منهم قدره ، وعلا فيهم خطره ، وعظم شأنه وحاله ، وجمّ وفره وماله ، جعلت القول مقصورا على قسيّ البندق التي لا تتعذر على مكثر ولا مملق ، ولا تضيق على اتّخاذها يد موسر ولا معسر ، ولو لم أفعل ذلك لبلغ الأسف من العادم الفاقد ، أكثر من الجذل من القادر الواجد . لكنني اعتمدت الذي يتوافق في استطاعته الأدنى والأشرف ، ويتلاحق في التمكن منه الأقوى والأضعف ، فأنا أكتفي في ترغيب من كان عنه منحرفا ، وتثبيت من كان إليه متشوّفا ، بوصف موقف منه شهدته ، ومنظر استحسنته ، في بعض ظواهر مدينة السلام : هناك غيضة ذات ماء صاف أزرق ، وشجر مرجحنّ مورق ، فبينا أنا ماثل فيها ، متنزّه في نواحيها ، وقد تضوّعت بالأرج أرجاؤها ، وتأوّدت في حلل الورد شجراؤها ، وتفاوحت بفوائح [ 1 ] المسك أنوارها ، وتفاوضت بغرائب النطق أطيارها ، إذ أقبلت رفقة من الرماة قد برزت قبل الذّرور للشروق ، وشمّرت عن الأذرع والسّوق ، متقلدين خرائط شاكلت السيوف بحمائلها ونياطاتها ، وناسبتها في آثارها ونكاياتها ، تحمل من البندق الملموم ، ما هو في الصحّة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم ، كأنما خرط بالجهر ، فجاء كبنات الفهر ، قد اختير طينه ، وملك عجينه ، فهو كالكافور المصّاعد [ 2 ] في الملمس والمنظر ، وكالعنبر الأذفر إلا في المشمّ والمخبر ، مأخوذ من خير مواطنه ، مجلوب من أطيب معادنه ، كافل بمطاعم حامليه ، محقّق لآمال آمليه ، ضامن لحمام الحمام ، متناول لها من أبعد مرام ، يعوج [ 3 ] إليها وهو سمّ ناقع ، ويهبط بها وهي رزق نافع . وبأيديهم قسيّ مكسوّة بأغشية السندس ، مشتملة منها بأفخر ملبس ، مثل الكماة في