ابن حمدون
268
التذكرة الحمدونية
أشراف من أفناء قبائل العرب ذوي هيئة وشارة حسنة [ 1 ] ، ترتمي بنا المهارى ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام ، فاخروّط بنا السير في حمارّة القيظ حتى إذا عصبت الأفواه ، وذبلت الشفاه ، وشوّلت [ 2 ] المياه ، وأذكت الجوزاء المعزاء ، وذاب الصيّهد ، وصرّ الجندب ، وضاف العصفور الضبّ وجاوره في جحره [ 3 ] ، وقال قائل : أيها الركب غوّروا بنا في ضوج هذا الوادي ، وإذا واد قد بدا لنا كثير الدّغل ، دائم الغلل ، شجراؤه مغنّة ، وأطياره مرنّة ، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات متهدّلات ، فأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها الماء السلس البارد ، فإنّا لنصف حرّ يومنا ومماطلته ، إذ صرّ أقصى الخيل أذنيه ، وفحص الأرض بيديه ، فو اللَّه ما لبث أن جال ثم حمحم فبال ، ثم فعل فعله الفرس الذي يليه واحدا فواحدا ، فتضعضعت الخيل ، وتكعكعت الإبل ، وتقهقرت البغال ، فمن نافر بشكاله ، وناهض بعقاله ، فعلمنا أن قد أتينا ، وعلمنا أنه السبع ، ففزع كلّ رجل منا إلى سيفه فاستلَّه من جربّانه ، ووقفنا رزدقا ، فأقبل يتظالع كأنه مجنوب أو في هجار ، لصدره نحيط ، ولبلاعمه غطيط ، ولطرفه وميض ، ولأرساغه نقيض ، كأنما يخبط هشيما ، ويطأ صريما ، وإذا هامة كالمجن ، وخدّ كالمسنّ ، وعينان سجراوان ، وكأنهما سراجان يقدان ، وقصرة ربلة ، وكتد معبط ، وزور مفرط ، وساعد مجدول ، وعضد مفتول ، وكفّ شثنة البراثن ، إلى مخالب كالمحاجن ، فضرب بيده فأرهج ، وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة ، وفم أشدق ، كالغار الأخرق ، ثم تمطَّى فأشرع بيديه ، وحفز وركيه برجليه ، حتى صار ظلَّه مثليه ، ثم أقعى فاقشعرّ ، ثم مثل فاكفهرّ ، ثم تجهّم فازبأرّ ، فلا وذو بيته في السماء ما اتقيناه إلَّا بأخ لنا من فزارة ، كان ضخم الجزارة ، فوقصه ثم نفضه نفضة