ابن حمدون
188
التذكرة الحمدونية
الناس إنّ الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها ، واستبطأوا [ 1 ] مدّة الآخرة فسعوا لها . واللَّه أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق وتعطَّل الحدود ، ويظهر الظالمون ، وتقوى كلمة الشيطان ، لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه ، فإلى أين تريدون رحمكم اللَّه عن ابن عمّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم وزوج ابنته وأبي ابنيه ، خلق من طينته ، وتفرّع من نبعته ، وخصّه بسرّه ، وجعله باب مدينة علمه وعلم المسلمين [ 2 ] ، وأبان ببغضه المنافقين ، فلم يزل كذلك يؤيّده اللَّه تعالى بمعونته ، ويمضي على سنن استقامته . هو مفلَّق الهام ، ومكسّر الأصنام ، صلَّى والناس مشركون ، وأطاع والناس مرتابون ، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر ، وأفنى أهل أحد ، وفرّق جمع هوازن ، فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا ، وردّة وشقاقا . قد أجهدت [ 3 ] في القول ، وبالغت في النصيحة ، وباللَّه التوفيق ، وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته . فقال معاوية : واللَّه يا أمّ الخير ما أردت بهذا الكلام [ 4 ] إلَّا قتلي ، وو اللَّه لو قتلتك ما حرجت في ذلك ، قالت : واللَّه ما يسوءني [ 5 ] يا ابن هند أن يجري اللَّه تعالى ذلك على يدي من يسعدني اللَّه تعالى بشقائه . قال : هيهات يا كثيرة الفضول . ما تقولين في عثمان بن عفان ؟ قالت : وما عسيت أن أقول فيه ؟ استخلفه الناس وهم كارهون ، وقتلوه وهم راضون [ 6 ] ، فقال معاوية : إيها أمّ الخير ، هذا واللَّه أصلك الذي تبنين عليه . قالت * ( لكِنِ الله يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ، أَنْزَلَه بِعِلْمِه والْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِالله شَهِيداً ) * ( النساء : 166 ) ما