ابن حمدون
128
التذكرة الحمدونية
فنزلت [ 1 ] عن راحلتي مسرعا وسجدت وقلت : لو رجعت فمدحت عبيد اللَّه بن زياد وهجوت مروان فقلت : [ من الطويل ] وقفت بأعلى ذي قسيّ مطيتي أميّل في مروان وابن زياد فقلت عبيد اللَّه خيرهما أبا وأدناهما من رأفة وسداد ومضيت لوجهي حتى أتيت بلاد بني عقيل ، فوردت ماء من مياههم ، فإذا بيت عظيم ، وإذا امرأة سافر لم أر كحسنها وهيئتها قط ، فدنوت فقلت : أتأذنين في الظلّ ؟ فقالت : انزل فلك الظلّ والقرى . فأنخت وجلست إليها ؛ قال : فدعت جارية لها سوداء كالراعية فقالت : ألطفيه شيئا واسعي إلى الراعي فردّي عليه شاة فاذبحيها له ، وأخرجت إليّ تمرا وزبدا قال : وحادثتها فما رأيت واللَّه مثلها قط ، فما أنشدتها شعرا إلَّا أنشدتني أحسن منه ، فأعجبني المجلس والحديث ، إذ أقبل فتى بين بردتين ، فلما رأته رمت ببرقعها على وجهها وجلست ، وأقبلت عليه بوجهها وحديثها ، ودخلني من ذلك غيظ فقلت للحين : يا فتى هل لك في الصراع ؟ فقال : سوأة لك إنّ الرجل لا يصارع ضيفه . قال : فألححت فقالت له : ما عليك لو لاعبت ابن عمك ؟ فقمت وقام ، فلما رمى بردتيه إذا خلق عجيب ، فقلت : هلكت وربّ الكعبة . فقبض عليّ ثم اختلجني إليه فصرت في صدره ، ثم احتملني ، فو اللَّه ما اتقيت الأرض إلا بظهر كتدي ، وجلس على صدري ، فما ملكت نفسي أن ضرطت ضرطة منكرة ، وثرت إلى جملي ، فقال : أنشدك اللَّه ، فقالت المرأة : عافاك اللَّه إنه الظلّ والقرى ، فقلت : أخزى اللَّه ظلكم وقراكم . فمضيت فبينا أنا أسير إذ لحقني الفتى يجنب نجيبا برحله وزمامه ، ورحله من أحسن الرحال ، فقال : يا هذا إنه ما سرّني ما كان ، وقد أراك أبدعت ، أي كلَّت ركابك ، فخذ هذا النجيب وإياك أن تخدع عنه ، فقد واللَّه أعطيت به مائتي دينار قلت : نعم آخذه ، فأخبرني من أنت ، ومن هذه المرأة