ابن حمدون
33
التذكرة الحمدونية
« 67 » - قال الأصمعيّ : حججت فبينا أنا بالأبطح إذا بشيخ في سحق عباءة ، صعل الرأس ثطَّ أخزر أزرق ، كأنما ينظر من فصّ زجاج أخضر ، فسلَّمت فردّ عليّ التحية ، فقلت : ممن الشيخ ؟ قال : أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة . قلت : فما الاسم ؟ قال : قبيصة بن مازن [ 1 ] . ثم قال : أعربي أنت ؟ قلت : نعم . قال : من أية العرب أنت ؟ قلت : من أهل البصرة . قال : فإلى من تعتزي ؟ قلت : إلى قيس بن عيلان . قال : فأيهم ؟ قلت : أحد بني يعصر [ 2 ] ، وأنا أقلب ألواحا معي . فقال : ما هذه الخشبات المقرونات ؟ قلت : أكتب فيهنّ ما سمعت [ 3 ] من كلامكم . قال : وإنكم مختلَّون إلى ذلك ؟ قلت : نعم وأي خلَّة . ثم صمت مليّا ، ثم قال في وصف قومه : كانوا كالصخرة الصّلدة تنبو عن صفحتها المعاول ، ثم زحمها الدهر بمنكبه فصدعها صدع الزجاجة ما لها من جابر ، فأصبحوا شذر مذر أيادي سبا . وربّ يوم واللَّه عارم قد أحسنوا تأديبه ، ودهر غاشم قد قوّموا صعره ، ومال صامت قد شتّتوا تألَّفه ، وخطة بوس قد حسمها أسوهم ، وحرب عبوس ضاحكتها أسنّتهم . أما واللَّه يا أخا قيس لقد كانت كهولهم جحاجح ، وشبّانهم مراجح ، نائلهم مسفوح ، وسائلهم ممنوح ، وزمانهم ربيع ، وجارهم منيع . فنهضت لأنصرف فأخذ بمجامع ذيلي وقال : اجلس ، فقد أخبرتك عن قومي حتى أخبرك عن قومك . فقلت في نفسي : إنّا للَّه ، سينشد في قيس وصمة تبقى على الدهر ، فقلت : حسبي لا حاجة بي إلى ذكرك قومي ، قال : بلى . هم واللَّه هضبة ململمة العزّ أركانها ، والمجد إحصانها ، تمكنت في الحسب العدّ ،
--> « 67 » البصائر 6 : 25 ( رقم : 56 ) .