ابن حمدون
294
التذكرة الحمدونية
على صفحتي يديك [ 1 ] ، فقلقت بما طرقك قلق المساهم في الوجد بها ، المهتم بتشعّث حالك من بعدها ، العالم بعدم النظير لها . وأين لك مثلها في قناء الأنف وإنافته ، وانتصاب القرن وصلابته ، وحمرة اللون وكمتته ، وزرقة العين واتساعها ، وكبر الضروع وانسدالها ، والدرّ الذي لا ينزف ، والإتآم الذي لا يخلف . وكيف لا تكون كربتك لازمة ، وحسرتك دائمة ، وقد عدمت بها جاها عريضا ، وذكرا مستفيضا ، وجلاء للقلب والنظر ، وقضاء للشهوة والوطر ، ومادة معينة على الاتصال [ 2 ] ، وسببا ينصرك [ 3 ] بأهل البذل والنوال ، فألطافك منها مشتهاة محبوبة ، وتحفك بها مستدعاة مطلوبة ، وهداياك مشهورة على الأطباق ، وتحاياك موصوفة بالقبول نصبتها نصب الدّبق ، وجعلتها سلَّم الرزق ، فهي تستأذن لك إذا طرقت ، وتؤمّنك التثقيل إذا أشفقت . فأنت بها صاحب سرّ الكيمياء ، والظافر عنها بحصول الكفاف والثراء . لكنها الأيام ذات الألوان والتبدل ، والحؤول والتنقّل ، فالإنسان منها بعرضة المخاوف والأخطار ، وعلى فرصة أحكام تجري وأقدار ، لذّتها منقطعة زائلة ، وسعودها غائرة آفلة ، بينما ترضعه درّها مختارة طائعة ، وتلبسه زينتها رائقة ناصعة ، وتجنح إليه مساعدة موثرة ، وتقبل عليه ضاحكة مستبشرة ، حتى يمرّ مذاقها فلا يساغ ، ويذهب رونقها فلا يراغ ، وتجمح نافرة فلا ترجع ، وتعرض مزورّة فلا تعطف ، عادة جارية مستقرة ، وسنّة ماضية مستمرة . فاسترجع أيها الحاجب - أيّدك اللَّه - تذكَّرا واستبصارا ، واصطبر تفكَّرا واعتبارا ، وإن غلبتك الدموع فأجرها استرواحا ، وإن هممت بالصلف فرفقا لا اعتسافا ، فبماء العين تطفأ نار الوجد ، وبصكّ الأخدعين يشفى غليل القلب . وكلّ ذاك حقير في جنب ما لحقك ، ويسير في عظيم ما طرقك .