ابن حمدون
28
التذكرة الحمدونية
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع « 54 » - دخل ضرار بن ضمرة الكنانيّ على معاوية ، فقال له : صف لي عليّا ، فقال : أوتعفيني . قال : لا أعفيك ، قال : أمّا إذ لا بدّ فإنه كان بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويأنس بالليل وظلمته . كان واللَّه غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلَّب كفّيه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن . كان واللَّه كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه [ 1 ] ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّا لا [ نكاد ] نكلَّمه هيبة له ، فإن تبسّم فعن لؤلؤ منظوم ، يعظَّم أهل الدين ويحبّ المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا يأيس الضعيف من عدله . ( هذه أوصاف حقيقة ، وهي مدح يتجاوز قدر المادح . وتمام الكلام والخبر ) : فأشهد باللَّه لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي أسمعه اليوم وهو يقول يا ربّنا ، يا ربّنا ، يتضرّع إليه ثم يقول للدنيا : إليّ تعرضت ؟ إليّ تشوفت ؟ هيهات هيهات ، غيري غرّي ، قد بتتّك ثلاثا . فعمرك قصير ، وخطرك كثير [ 2 ] . آه من قلَّة الزاد وبعد السّفر ووحشة الطريق . فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشّفها بكمّه ، وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال : كذا كان أبو الحسن رحمه اللَّه . كيف وجدك عليه يا
--> « 54 » أمالي القالي 2 : 147 وزهر الآداب : 40 - 41 وشرح النهج 18 : 225 ونهاية الأرب 3 : 176 وربيع الأبرار 1 : 835 ؛ 1 : 97 ( بإيجاز ) .