ابن حمدون
257
التذكرة الحمدونية
أنيس به إلا بيت معتنز ، بفنائه أعنز ، وقد ظمئت فيمّمته فسلَّمت فإذا عجوز قد برزت كأنّها نعامة راخم ، فقلت : هل من ماء ؟ فقالت : أو لبن ؟ فقلت : ما كانت بغيتي إلا الماء فإذا يسّر اللَّه اللبن فإني إليه فقير . فقامت إلى قعب فأفرغت فيه ماء ونظَّفته وغسلته ، ثم جاءت إلى الأعنز فتغبّرتهنّ حتى احتلبت قراب ملء القعب ثم أفرغت عليه ماء حتى رغا وطفت ثمالته كأنها غمامة بيضاء ، ثم ناولتني إياه فشربت حتى تحببت ريّا واطمأننت فقلت : إني أراك معتنزة في هذا الوادي الموحش ، والحلَّة منك قريب ، فلو انضممت إلى خبائهم فأنست بهم ، قالت : يا ابن أخي ، إني لآنس بالوحشة وأستريح إلى الوحدة ، ويطمئنّ قلبي إلى هذا الوادي الموحش ، فأتذكر من عهدت ، فكأني أخاطب أعيانهم ، وأتراءى أشباحهم ، وتتخيّل إليّ أندية رجالهم ، وملاعب ولدانهم ، ومندّى أموالهم . واللَّه يا ابن أخي لقد رأيت هذا الوادي بشع اللديدين بأهل أدواح وقباب ، ونعم كالهضاب ، وخيل كالذئاب ، وفتيان كالرماح ، يبارون الرياح ، ويحمون الصباح ، فأحال عليهم الجلاء قما بغرفة ، فأصبحت الآثار دارسة ، والمحالّ طامسة ، وكذلك سيرة الدهر في من وثق به . ثم قالت : ارم بعينيك في هذا الملأ المتباطن ، فنظرت فإذا قبور نحو من أربعين أو خمسين ؛ فقالت : أترى تلك الأجداث ؟ قلت : نعم . قالت : ما انطوت إلا على أخ أو ابن أخ أو عمّ أو ابن عمّ ، فأصبحوا قد ألمأت عليهم الأرض ، وأنا أنتظر ما غالهم . انصرف راشدا يرحمك اللَّه . الغريب : - المعتنز : المنفرد ، والراخم : التي تحضن بيضها ، وتغبرتهن : احتلبت الغبر وهو بقية اللبن في الضرع وجمعه أغبار ، وقراب وقريب واحد مثل كبار وكبير ، والثمالة : الرغوة ، وتحببت : امتلأت ، والمندّى : المكان الذي يندّى فيه المال ، وبشع : ملآن ، واللديدان : الجانبان ، وقما : كنسا ، والقمامة : الكناسة والمقمّة : المكنسة ، والغرفة : الواحدة من الغرف وهو ضرب من الشجر ، والمتباطن : المتطامن ، وألمأت عليهم : احتوت عليهم ، وتلمأت عليه