ابن حمدون
223
التذكرة الحمدونية
« 558 » - كتب إبراهيم بن هلال الصابي إلى أبي الفتح ابن العميد يعزّيه بأبيه : قد سبق في العلم ، وثبت في العقل - أطال اللَّه بقاء سيدنا الأستاذ الجليل - أنّ اللَّه عزّ وجلّ جلَّت كبرياؤه [ 1 ] ، وتقدست أسماؤه ، القديم بلا ابتداء ، الباقي بلا انتهاء ، لا يشركه [ 2 ] في ذلك غيره ، ولا يختصّ به سواه ، وأنه تعالى أبدع المخلوقات على اختلاف ذواتها ، وتباين موجوداتها ، وأعطى كلَّا منها ما أوجبت الحكمة أن يعطاه ، فلا سبيل إلى مزيد لها على حدودها التي وقفت عندها ، ولا نقصان من غاياتها التي انتهت إليها . ولهذه المخلوقات منازل في الأعمار لا تتعداها ، ومواقيت في الآجال لا تتخطاها ، فلو أمكن فيها البقاء لارتفع الحدث ولساوى المفعول فاعله ، والمجبول جابله ، وسقط التفاضل بين الأدنى والأشرف ، والأقوى والأضعف . فوجود شخص الإنسان كأن لم يزل مود إلى عدم [ 3 ] وكأن لم يكن . وللَّه عزّ وجلّ في ذلك منّة على البريّة لا يعرفها منهم إلَّا الفذّ الفريد ، والشاذّ الوحيد ، لأضعاف عدد عوامّهم على خواصّهم ، وجهّالهم على علمائهم . وكلَّهم مركب من نفس تسمو إلى الأرفع الأسنى ، ومن جسد يسفّ إلى الأدون الأدنى ؛ فمن غلب أخسّ ما فيه أشرفه ، قنط من الموت قنوط الغبيّ وكرهه كراهة الغرّ ، وظنّ أنّ اللَّه عزّ وجلّ قد قطع به عصمته ، وأزال معه نعمته . ومن غلب أشرف ما فيه أخسّه أيقن أنّ اللَّه لا يعبث في خلقه ، ولا يفكه [ 4 ] في نطقه ، ولا يخلف ما وعد ، ولا ينكل عمّا ضمن ، وأنه عزّ وجلّ قد جبر مصاب الميت جبرين ظاهرين يشهد بأحدهما العيان عاجلا ، وبالآخر العقل آجلا ، فالعاجل النسل ، والآجل النشر . فإن أخطأه الأول على عادة
--> « 558 » وردت هذه الرسالة في جمهرة الاسلام - الباب السادس ، ص : 128 - 131 .