ابن حمدون
187
التذكرة الحمدونية
إنّ الأمير هو الذي يضحي أميرا عند عزله إن زال سلطان الولا ية فهو في سلطان فضله 460 - وصف للمتوكل كلب بأرمينية يفترس الأسد فأرسل من جاء به ، فقال له الطريحيّ : يا أمير المؤمنين هناك اللَّه ما خصّك به من نيل مباغيك ، وإدراك محابّك ، فما شيء يصغر مع طلب أمير المؤمنين عن أن يهنّأ به ، ويرغب إلى اللَّه في زيادته . فقال له المتوكل : هو لك جزاء عن هذه التهنئة ، فبعه منّي بحكمك . فباعه منه بألفي دينار ، فألقاه على أسد فتواثبا وتناهشا حتى وقعا ميتين . « 461 » - كتب أخي رحمه اللَّه تهنئة بالسلامة من حريق وقع في دار الخلافة : الدنيا - أعزّ اللَّه أنصار المواقف الشريفة - دار الامتحان والاختبار ، ومجاز الابتلاء والاعتبار ، وللَّه تعالى في ما نزل فيها إلى عباده من نعمه ، وتخوّله من مواهبه وقسمه ، عادات يقتضيها بالغ حكمته ، وماضي إرادته ومشيئته ، ليستيقظ الذاهل ، ويعرف الجاهل ، ويزداد العالم اللبيب اعتبارا ، ويستفيد العاقل الأريب تفكَّرا واستبصارا ، فلا يغفل عن واجب الشكر إذا سيقت النعمة إليه ، ولا يلهو عن استدعاء المزيد منها بالاعتراف إذا سبغت عليه ، وهو أنّ الباري سبحانه إذا تابع آلاءه إلى عبده ووالاها ، وهنأها له من الشوائب وأخلاها ، وأماط عن مشاربها أكدار الدنيا المطبوعة على الكدر ، وعمر مساربها بالأمن من طوارق الغير ، خيف عليها الانتقاض والزوال ، وتوقّع لها الانتهاء والانتقال . ومن ذلك الخبر المروّي أنه لما أنزل اللَّه عزّ وجلّ قوله : * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) * ( المائدة : 3 ) ابتهج الصحابة رضي اللَّه عنهم ، واعتقدوا التهنئة واستشعروا ، ما عدا عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه فإنه بكى من بينهم . فقالوا له : ما يبكيك وقد أكمل اللَّه
--> « 461 » نهاية الأرب 5 : 129 .