ابن حمدون

176

التذكرة الحمدونية

النجوم بخيرتها سليمة من المعايب ، مبرّأة من المثالب ، جمّة المحاسن ، بعيدة عن المطاعن ، لم يزر بها طول ولا قصر ، ولم ينقصها ضعف ولا خور ، ولم يشبها لين ولا رخاوة ، ولم يعمّها كزازة ولا قساوة ، فهي آخذة بالفضائل من جميع جهاتها ، مستوفية للممادح بسائر صفاتها ، صلبة المعاجم ، لدنة المقاطع ، مؤنقة القدود والألوان ، محمودة المخبر والعيان ، قد استوى في الملامسة خارجها وداخلها ، وتناسب في السلاسة عاليها وسافلها ، وتعاصي الكاسر المعاسر ، وتمانع المغامر المكاثر [ 1 ] ، حتى إذا انتحتها مدى التقويم ، وتباشرتها شفار التعليم ، أقام التثقيف أودها ، وهدى التسديد زيغها ، نبتت بين الشمس والظلّ ، واختلف عليها الحرّ والقرّ ، فلاحها وقدان الهواجر ، وسفعها سماء شهر ناجر ، ووقذها الشّفان بصرده ، وقذفها الغمام ببرده ، وصابتها الأنواء بصيبها ، واستهلَّت عليها السحائب بشآبيبها ، فاستمرّت مرائرها على إحكام ، واستحصد سحيلها بالإبرام ، وجاءت شتى الشّيات ، متغايرة الهيئات ، متباينة المنابت والأوطان ، مختلفة المحالّ والبلدان ، تختلف بتباعد ديارها ، وتأتلف بكرم نجارها ، فمن أنابيب قنا ناسبت رماح الخطَّ في أجناسها ، وشابهت [ 2 ] أسود الغيل في أخياسها ، وشاكلت المذهب في ألوانها ، وضاهت الحرير في لمعانها ، كأنها الأميال استواء ، والآجال مضاء ، بطيئة الحفا ، ممرّة القوى ، لا يشظَّيها القطَّ ، ولا يتشعّب بها الخط : من مصريّة بيض كأنها قباطيّ مصر نقاء ، وغرقىء البيض صفاء ، غذاها الصعيد من ثراه بلبّه ، وسقاها النيل من نميره وعذبه ، لم يضوها عطش ولم يشرقها ري ، فجاءت ملتئمة الأجزاء ، سليمة من الالتواء ، تستقيم شقوقها في أطوالها ، ولا تنكب عن يمينها ولا شمالها ، يقترن بها صفر كأنها معها عقيان قرن بلجين ، أو ورق خلط بعين ، وكأنما أشربت ماء الجساد ، أو صبغت بالخلوق قبل المداد ، تختال في صفر ملاحفها ، وتميس في