ابن حمدون
145
التذكرة الحمدونية
العلم والمعرفة أن تكفّهم العادة الجارية ، وإذ لم يحجزهم التأمل والروية أن تحجزهم التجربة المتكررة . وكفى بنا وبهم استطالة عليهم منّا ، وانحطاطا منهم عنّا ، أنّا على ذلك نكافحهم مراقبين للَّه تعالى ، ويواجهونا محتربين [ 1 ] على اللَّه ، حتى كأنّ تلك العادة لهم جرت لا لنا ، وكأنّ بأس اللَّه حلّ بنا لا بهم ، فلهذا تنجلي عواقب ما بيننا وبينهم عن قهر جميعهم ، وفضّ جموعهم ، والاستظهار عليهم ، والإحاطة بهم . فالحمد للَّه رب العالمين حمدا عائدا آخره إلى الابتداء ، ومستمرّا لا إلى غاية وانتهاء . وذلك أبلغ ما يقوله ذو الأجل المحدود ، في شكر المنعم المتفرّد بالخلود . ووفّر اللَّه حظَّ مولانا من دعائي هذا وكلّ دعاء صالح سمع مرفوعه وأجاب مسموعه ، بمنّه وطوله ، وقدرته وحوله . وكان إسحاق وجعفر الهجريّان ، ومن وراءهما من الأهل والأقران ، أظهروا ما أظهر أشياخهم قبلهم من شعار المسلمين ، وأقاموا الدعوة لمولانا أمير المؤمنين ، وعقد بيني وبينهم ذمام اقتضاني الوفاء والمحافظة عليه ، والرجوع في كلّ ما يجري بيني وبينهم إليه . فلما كان مذ مديدة بلغني أنّ هذين المسمّين منهم سارا إلى البصرة في جموع أكثفاها ، وطوائف حشراها [ 2 ] ، ثم نحيا إلى الكوفة ، فقدّرت أنّهما مجتازان عليها إلى بعض الفلوات ، لمطالبة سكَّانها من العرب الذين على طاعتهم بالاتاوات ، على عادة لهم بذلك قد عرفت ، وسنّة قد ألفت ، فلم يكن عندي من الاهتمام بأمرهما والاستعداد لهما إلا ما يجب للضيف الطارق والزائر الوافد ، من مكاتبة العمال بإحسان عشرتهما وإجمال معاملتهما ، وإقامة الأزواد لهما ولمن في جملتهما . فحين أناخا من الكوفة بالفناء ، وخالطا من كان بها من العمّال والأولياء ، تأوّلا بصغائر من الأمور لا عذر للمعتذر بها ، ولا حجّة للمعوّل عليها ، فخلعا الرّبق المحيطة بالأعناق ، وأبديا الصفحة بالعناد والشقاق ، وغيّرا الخطبة عن رسمها ، وأقاماها على خلاف واجبها ، وانتميا إلى طاعة بعض