ابن حمدون

127

التذكرة الحمدونية

الناس ، قال : فجيء بإبراهيم يحجل في قيوده ، فوقف على طرف الإيوان فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللَّه وبركاته ، فقال المأمون : لا سلَّم اللَّه عليك ولا حفظك ولا كلأك ولا رعاك يا إبراهيم ، فقال له : على رسلك يا أمير المؤمنين ، فلقد أصبحت وليّ ثأري ، والقدرة تذهب الحفيظة ، ومن مدّ له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التلف ، وقد أصبح ذنبي فوق كلّ ذنب ، كما أنّ عفوك فوق كلّ عفو . فإن عاقبت فبحقّك ، وإن تعف فبفضلك . قال : فأطرق مليّا ثم رفع رأسه وقال : إنّ هذين أشارا عليّ بقتلك ؛ فإذا المعتصم والعباس بن المأمون ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، أمّا حقيقة الرأي في معظم تدبير الخلافة والرياسة فقد أشارا به عليك ، وما غشّاك إذ كان منّي ما كان ، ولكن اللَّه تعالى عوّدك من العفو عادة جريت عليها ، دافعا ما تخاف بما ترجو ، فكفاك اللَّه يا أمير المؤمنين . فتبسّم المأمون ثم قال لثمامة : إنّ من الكلام ما يفوق الدرّ ويغلب السحر ، وإنّ كلام عمي منه . أطلقوا عن عمي قيوده وردّوه إليّ مكرّما . فلما ردّ إليه قال : يا عمّ صر إلى الأنس وارجع إلى المنادمة ، فلن ترى أبدا منّي إلَّا ما تحبّ . « 371 » - وحدّث محمد بن الفضل الهاشمي قال : لما فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبي خالد الأحول وقال : هو صديقك فخذه إليك ، فقال : وما تغني صداقتي عنه وأمير المؤمنين ساخط عليه ؟ ! أما إني وإن كنت صديقا له لا أمتنع من قول الحقّ فيه . قال له : قل فإنّك غير متهم ، فقال - وهو يريد التسلق على العفو عنه - : إن قتلته ، فقد قتل الملوك قبلك أقلّ جرما منه ، وإن عفوت عنه

--> « 371 » الأغاني 10 : 124 - 125 والفرج بعد الشدة 3 : 345 والشعر « فلئن عفوت » للحارث ابن وعلة الجرمي ( الحماسية رقم : 50 عند المرزوقي ) وشرح التبريزي 1 : 107 وعيون الأخبار 3 : 88 وأمالي القالي 1 : 262 والزهرة : 669 . وعينية إبراهيم أورد منها في الأغاني ( 10 : 124 ) سبعة عشر بيتا .