ابن حمدون

56

التذكرة الحمدونية

وجه حماد الانكسار والغمّ ، وفي وجه المفضّل السرور والنشاط . ثم خرج الحسين الخادم معهما فقال : يا معشر من حضر من أهل العلم ، إنّ أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره ، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس فيها ، ووصل المفضّل بخمسين ألف درهم لصدقه وصحّة روايته . فمن أراد أن يسمع شعرا محدثا جيّدا فليسمع من حمّاد ، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضّل . فسألنا عن السبب فأخبرنا أنّ المهديّ قال للمفضّل لما دعا به وحده : إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال : دع ذا وعدّ القول في هرم ، ولم يتقدّم [ له ] قبل ذلك قول ، فما الذي أمر نفسه بتركه ؟ فقال له المفضّل : ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلَّا أنّي توهّمته كان [ يفكر ] في قول يقوله أو يروّي في أن يقول شعرا ، فعدل عنه إلى مدح هرم [ وقال ] : دع ذا ، أو كان مفكرا في شيء من شأنه فتركه وقال : دع ذا ، أي دع ما أنت فيه من الفكر وعدّ القول في هرم . ثم دعا بحماد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل فقال : ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين ، قال : فكيف قال ؟ فأنشده : [ من الكامل المرفّل ] لمن الديار بقنّة الحجر أقوين من حجج ومن عشر [ 1 ] قفر بمندفع النجائب [ 2 ] من ضفوى أولات الضال والسدر دع ذا وعدّ القول في هرم خير الكهول وسيد الحضر قال : فأطرق المهديّ ساعة ثم أقبل على حماد فقال : قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بدّ من استحلافك عليه ، ثم أحلفه بأيمان البيعة وكلّ يمين محرجة ليصدقنّه عن كلّ ما يسأله عنه ، فلما توثّق منه قال له : اصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير ، فأقّر له حينئذ أنه قالها ، فأمر فيه وفي