ابن حمدون
354
التذكرة الحمدونية
وأمره بدراسة سنن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم وآثاره ، وتعهّد أحاديثه وأخباره ، متأدبا بما حضّ الناس عليه ، منتهجا ما أهاب بهم إليه ، منتهيا إلى حكمه ووصاياه ، متقيدا بخلائقه وسجاياه ، فإنه صلَّى اللَّه عليه وسلم الذي يدعو إلى الهدى ، ولا ينطق عن الهوى ، فمن ائتمّ لأوامره غنم ، ومن ارتدع من زواجره سلم . وقد قرن اللَّه طاعته بطاعته ، وجعل العمل بقوله كالعمل بكتابه ، فقال عزّ وجلّ : * ( ( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه وما نَهاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوا ، واتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقابِ ) ) * ( الحشر : 7 ) . وأمره بمجالسة [ 1 ] أهل الدين [ والعلم ] ومدارسة أهل الفقه والفهم ، ومشاورتهم في ما يقرّره ويمضيه ، والأخذ من آرائهم في ما ينيره ويسديه ، فان الشّورى نتاج [ 2 ] العقول ، والمباحثة رائد الصّواب ، واستظهار المرء على رأيه من عزم الأمور ، واستنارته بعقل أخيه من حزم التدبير ؛ فقد أمر اللَّه تعالى بالاستشارة أكمل الخلق لبابة وأولى بالإصابة ، فقال لرسوله الكريم في كتابه الحكيم : * ( ( وشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) ) * ( آل عمران : 159 ) . وأمره بفتح الباب ، ورفع الحجاب ، والبروز للخصوم ، وإيصالهم إليه على العموم ، وأن ينظر بين المتحاكمين بالسويّة ، ويعدل فيهم عند القضيّة ، ويعطيهم من نفسه أقساطا متساوية [ 3 ] ، ولا يفضّل خصما على صاحبه [ 4 ] في لحظ ولا لفظ ، ولا يقوّيه عليه بقول ولا فعل ، إذ كان جل اسمه قد جعل هذا الحكم سرّ [ 5 ] الحقّ وميزان القسط ، وسبيل العدل في القبض والبسط ، وسوّى بين الدنيّ والشريف ، وأخذ به من القويّ للضعيف ، ولم يجعل فيه مزية لغني على فقير ولا لكبير على