ابن حمدون
28
التذكرة الحمدونية
ذلك لهم ، فقال : وكيف وقد نهبوا مالي وذهبوا بخزائني ؟ فقلت له : أنفقوه في المكارم ، وأصيب لهم من الجوهر ما لا يشبه أمثالهم ، قال لي : فما يقول الناس فينا ؟ فقلت : اللَّه اللَّه في أمري ، فقال : ما لك ؟ قلت : الصدق يغضبك ، وكان استحلفني ورشيدا والحسين الخادمين أن نصدقه عن كلّ شيء يسألنا عنه ، فخفت أن أصدقه فلا يعجبه ، لأني كنت قد صدقته عن شيء من أمر الحرم فغضب وحجبني أربعين يوما ، فأذكرته بذلك فقال : كان ذلك مني غلطة ولن أعود لمثلها . فقلت له : يقول الناس لم تف لهم ، وانك طمعت في أموالهم ، قال : فأيّ شيء حصلت منها ؟ قلت : ضياعهم هي مال ، فقال : البس سيفك وأحضرني يحيى بن خالد فأقمه وراء الستر ، فقلت في نفسي : إنا للَّه وإنّا إليه راجعون ، ماذا صنعت ؟ قتلت ابنه وأقتله ؟ ثم أحضرت يحيى ، فلما خرج الرشيد من الخلاء قال لي : اخرج إليه فقل له ما حملك على أن حملت إلى يحيى بن عبد اللَّه بالديلم مائتي ألف دينار ؟ فقلت له ذاك ، فقال : أليس قد صفحت عن هذا ؟ فقال لي : أو يصفح الإنسان عن دمه ؟ فقلت له ذاك ، فقال : أردت أن تقوى شوكة يحيى بن عبد اللَّه فيظفر به الفضل بعد قوّته فيكون أحظى له عندك ، قال فقلت له : فما كان يؤمّنك أن يقوى فيقتل الفضل ويقتلني ؟ وما حملك على أن حملت إلى أحمد بن عيسى بن زيد بالبصرة مع غلامك رباح سبعين ألف دينار ؟ فقلت له ذاك ، فقال ، قل له : أفليس قد صفحت عن ذلك ؟ فقال : أو يصفح الإنسان عن دمه ؟ ثم قال : قل له : أنت تعلم موقع عيالي منّي ، وطلبت منك وأنا بالبصرة ألف ألف درهم فقلت لي : إن أخذت منها درهما واحدا لهذا الشأن ذهبت هيبتك ، فأمسكت ، فأخذت أنت منها ألف ألف وخمسماية ألف ففرّقتها في عيالك ، واحتلت أنا بقرض تولَّاه يونس ما فرّقته فيهم ، ثم قال لي : قل له كذا وقل له كذا حتى عدّ أربعة عشر شيئا ، ثم أمرني بردّه إلى محبسه وقال : يا مسرور ، يقول الناس إني ما وفيت ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ما أحبّ أن تستجهلني فقال : وكيف ؟ قلت : كيف لك بأن يعلم الناس كعلمي ، لبودّي