ابن حمدون
257
التذكرة الحمدونية
ويحك إني أريد مكَّة لبعض الحاج ، وإنك لمن أفك النساء [ 1 ] ، وإنّ بني الديل يطلبونني بترات ، فإياك أن تذكريني لأحد [ من أهل مكة ] حتى أصدر عنها . فقالت : أعوذ باللَّه أن أذكرك لأحد من أهل مكة وأنا أعرف السبب . قال : فخرج يوما بأم خراش [ 2 ] وكمن لحاجته ، وخرجت إلى السوق تشتري عطرا أو بعض ما يشتريه النساء من حوائجهنّ ؛ فجلست إلى عطَّار فمرّ بها فتيان من بني الديل ، فقال أحدهما لصاحبه : أمّ خراش وربّ الكعبة ، وإنها لمن أفك النساء ، وإن كان أبو خراش معها فستدلَّنا عليه . قال : فوقفا عليها فسلَّما وأحفيا في المسألة والسلام ، فقالت من أنتما بأبي أنتما ، قالا : رجلان من أهلك . قالت بأبي أنتما ، فإنّ أبا خراش معي فلا تذكراه لأحد ، ونحن رائحون العشيّة . فخرج الرجلان فجمعا جماعة من فتيانهم وأخذوا مولى لهم يقال له مخلد ، وكان من أجود الرجال عدوا ، فكمنوا في عقبة على طريقه ، فلما رآهم قد لاقوه في عين الشمس قال لها : قتلتني وربّ الكعبة ، لمن ذكرتني ؟ قالت ما ذكرتك إلَّا لفتيين من هذيل ، فقال لها : واللَّه ما هما من هذيل ، ولكنهما من بني الديل ، وقد جلسا لي وجمعا عليّ جماعة من قومهما ، فإذا جزت عليهم فإنهم لن يعرضوا لك لئلَّا أستوحش فأفوتهم ، فاركضي بعيرك ، وضعي عليه العصا ، والنجاء النجاء ؛ قال : وهي على قعود عقيليّ يسبق الريح . فلما دنا منهم وقد تلثموا ووضعوا تمرا على طريقه على كساء ، فوقف قليلا كأنه يصلح شيئا ، وجاوزتهم أمّ خراش فلم يعرضوا لها لئلَّا ينفر منهم ، ووضعت العصا على قعودها . فتواثبوا إليه ووثب يعدو ، قال : فزاحمه على المحجة التي يسلك فيها على العقبة ظبي ، فسبقه أبو خراش ، وتصايح القوم لمخلد : يا مخلد أخذا أخذا ، فقال : فات الأخذ ، فقالوا : ضربا ضربا ، فسبق الضرب . فقالوا : رميا رميا ، فسبق الرمي . وسبقت أمّ خراش إلى الحيّ فنادت : ألا إنّ أبا خراش قد قتل ، فقام الحيّ إليها وقام أبوه