ابن حمدون
234
التذكرة الحمدونية
يطلق اسم العين مثلا على معان عدة ، وما يجري هذا المجرى ، فلا ينبغي أن يطلب لجميع أقسامه حدّ واحد ، بل يفرد كلّ قسم بالكشف عنه : فالأول : الوصف الذي به يفارق الإنسان سائر البهائم ، وهو الذي به استعدّ لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الفكرية ، وهو الذي أراده الحارث المحاسبيّ حيث قال في حدّ العقل : إنه غريزة يتهيّأ بها درك العلوم النظرية . ولم ينصف من أنكر هذا وردّ العقل إلى مجرّد العلوم الضرورية ، فإنّ الغافل عن العلوم والنائم يسمّيان عاقلين باعتبار وجود هذه الغريزة مع فقد العلوم ، وكما أنّ الحياة غريزة بها يتهيّأ الجسم للحركات الاختيارية والإدراكات الحسيّة ، فكذلك العقل غريزة بها يتهيأ بعض الحيوانات للعلوم النظرية ، ولو جاز أن يسوّى بين الإنسان والحمار في الغريزة [ 1 ] . وقال [ 2 ] : لا فرق إلَّا أنّ اللَّه تعالى بحكم إجراء العادة يخلق في الإنسان علوما ليس يخلقها في الحمار والبهائم لجاز أن يسوّى بين الجماد والحمار في الحياة . ويقال لا فرق إلَّا أنّ اللَّه يخلق في الحمار حركات مخصوصة بحكم إجراء العادة ، فإنه لو قدر الحمار جمادا صمتا لوجب القول بأنّ كلّ حركة تشاهد منه فاللَّه قادر على خلقها فيه على الترتيب المشاهد . وكما وجب أن يقال لم تكن مفارقته للجماد في الحركة إلَّا لغريزة اختصّت به عبّر به عنها بالحياة ، فكذا [ 3 ] مفارقة الإنسان البهيمة في إدراك العلوم النظرية بغريزة يعبّر عنها بالعقل . وهي كالمرآة التي تفارق غيرها من الأجسام في حكاية الصورة والألوان لصفة اختصّت [ 4 ] بها ، وهي الصّقالة ؛ وكذلك العين تفارق الجبهة في هيئات وصفات بها استعدّت للرؤية . فنسبة هذه الغريزة إلى العلوم نسبة العين إلى الرؤية ، ونسبة القرآن والشرع إلى هذه الغريزة في سياقها إلى انكشاف العلوم لها