ابن حمدون
23
التذكرة الحمدونية
« 31 » - ولما حمل رأس مروان بن محمد إلى السفّاح وهو بالكوفة جلس مجلسا عامّا ، وجاؤا بالرأس فوضع بين يديه ، فقال لمن حضره : أفيكم من يعرف هذا الرأس ؟ فقام سعيد بن عمرو بن جعد بن هبيرة فأكبّ عليه فتأمّله مليّا ثم قال : نعم هذا رأس أبي عبد الملك خليفتنا بالأمس رحمه اللَّه ، وعاد إلى مجلسه فقعد . ووثب أبو العباس فطعن في حجزته ، وانصرف ابن جعدة إلى منزله ، وتحدّث الناس بكلامه ، فلامه بنوه وأهله وقالوا : عرّضتنا ونفسك للبوار فقال : اسكتوا ، قبّحكم اللَّه ، ألستم الذين أشرتم عليّ بالأمس بحرّان بالتخلَّف عن مروان ففعلت في ذلك غير فعل أهل الوفاء والشكر ؟ وما كان ليغسل عني عار تلك الفعلة إلَّا هذه ، وإنما أنا شيخ هامة اليوم أو غد ، فإن نجوت يومي هذا من القتل متّ غدا . فجعل بنوه وأهله يتوقعون رسل السفاح أن تطرقه في جوف الليل ، وغدا الشيخ فإذا هو بسليمان بن مجالد ، فلما بصر به قال : ألا أسرّك يا ابن جعدة بجميل رأي أمير المؤمنين فيك ؟ إنه ذكر في هذه الليلة ما كان منك فقال : أما واللَّه ما أخرج ذلك الكلام من الشيخ إلَّا الوفاء ، ولهو أقرب بنا قرابة وأمس بنا رحما منه بمروان إن أحسنّا إليه ، قال : أجل واللَّه . « 32 » - وسأل المنصور بعض بطانة هشام عن تدبيره في بعض حروبه مع الخوارج فقال : فعل كذا وصنع كذا رحمه اللَّه ، فقال المنصور : قم عليك لعنة اللَّه ، تطأ بساطي وتترحّم على عدوي ؟ ! فقام الرجل وهو يقول : واللَّه إنّ نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلَّا غاسلي ، فقال المنصور : ارجع يا شيخ فإني أشهد أنك نهيض حرّة وغراس شريف ، ودعا له بمال فأخذه وقال : لولا جلالة عزّ أمير المؤمنين وامتطاء طاعته ما لبست بعده لأحد نعمة ، فقال له المنصور :
--> « 31 » البيهقي : 114 وليس فيه « فطعن في حجزته » . « 32 » البيهقي : 114 وربيع الأبرار 4 : 346 ومحاضرات الراغب 1 : 374 والشهب اللامعة : 55 والطبري 3 : 412 والأجوبة المسكتة رقم : 380 والمستطرف 1 : 204 والعقد الفريد للملك السعيد : 89 .