ابن حمدون
19
التذكرة الحمدونية
الموسم عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير ، وكنّا نخوض في الفقه مرّة ، وفي المذاكرة مرّة ، وفي أشعار العرب وأمثال الناس مرّة ، فكنت لا أجد عند أحد ما أجده عند عبد الملك : من الاتساع في المعرفة ، والتصرّف في فنون العلم ، وحسن استماعه إذا حدّث ، وحلاوة لفظه إذا حدّث . فخلوت معه ذات ليلة فقلت : واللَّه إني لمسرور بك لما أشاهده من كثرة تصرفك وحسن حديثك وإقبالك على جليسك ، فقال لي : إنك إن تعش قليلا سترى العيون طامحة إليّ ، والأعناق قاصدة ، فلا عليك أن تعمل إليّ ركابك فلأملأنّ يديك . فلما أفضت إليه الخلافة شخصت أريده ، فوافقته يوم جمعة وهو يخطب الناس على المنبر ، فلما وقعت عينه عليّ بسر في وجهي وأعرض عنّي ، فقلت : لم يثبتني معرفة أو عرفني فأظهر لي نكرة ، لكني لم أبرح مكاني حتى قضيت الصلاة ودخل ، فلم ألبث أن خرج الحاجب فقال : أين مالك بن عمارة ؟ فقمت وأخذ بيدي وأدخلني عليه ، فلما رآني مدّ إليّ يده وقال : إنك تراءيت لي في موضع لم يجز فيه إلَّا ما رأيت من الإعراض والانقباض ، فأما الآن فمرحبا وأهلا ، كيف كنت بعدي ، وكيف كان مسيرك ؟ قلت : بخير وعلى ما يحبّه أمير المؤمنين . فقال : أتذكر ما كنت قلت لك ؟ قال ، قلت : نعم وهو الذي أعملني إليك . فقال : واللَّه ما هو بميراث ادّعيناه ولا أثر رويناه ، ولكني أخبرك من نفسي بخصال سمت بها نفسي إلى الموضع الذي ترى : ما لا حيت ذا ودّ قط ، ولا شمتّ بمصيبة ، ولا قصدت كبيرة من محارم اللَّه متلذّذا بها واثبا عليها ، وكنت من قريش في بيتها ، ومن بيتها في واسط قلادتها ، فكنت آمل بهذه أن يرفع اللَّه لي ، وقد فعل ، يا غلام بوّئه منزلا في الدار . فأخذ الغلام بيدي وقال : انطلق إلى رحلك ، فكنت في أخفض حال وأنعم بال ، وكان يسمع كلامي وأسمع كلامه ، فإذا حضر عشاؤه وغداؤه أتاني الغلام فقال : إن شئت صرت إلى أمير المؤمنين فإنه جالس ، فأمشي بلا حذاء ولا رداء ، فيرفع من مجلسي ويقبل على مجالستي ، ويسألني عن العراق مرة وعن الحجاز مرّة ، حتى مضت لي عشرون